أقلام حرةالمغرب

سجلماسة: بناء الإنسان قبل الحجر

بقلم: المسكين يوسف

حين نتحدث عن سجلماسة، فإننا لا نتحدث فقط عن موقع أثري ضارب في عمق التاريخ، ولا عن أطلال تختزن ذاكرة دولة وحاضرة كانت ذات يوم محطة أساسية في طرق التجارة العابرة للصحراء، بل نتحدث أيضا عن منطقة يعيش فيها مواطنون لهم الحق في التنمية والعيش الكريم، ويواجهون يوميا أسئلة أكبر من مجرد كيفية حماية موقع أثري من عوامل الزمن. ولذلك فإن النقاش حول المشاريع الموجهة إلى حماية سجلماسة وتثمينها يفرض طرح سؤال أكثر إلحاحا: ماذا عن سجلماسة التي يعيشها سكان المنطقة اليوم؟

من الطبيعي أن يحظى الموقع الأثري بالعناية، وأن تصرف الأموال لحمايته وترميمه وتثمينه، فالتاريخ ليس ملكا لجيل واحد، وإنما ذاكرة جماعية يجب الحفاظ عليها. لكن حماية التاريخ لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لنسيان الحاضر، لأن سجلماسة ليست حجارة فقط، وليست جدرانا قديمة أو بقايا مدينة تاريخية، وإنما هي أيضا قرى وقصور وواحات وأسر وشباب وتلاميذ وفلاحون يعيشون في ظروف اجتماعية واقتصادية لا تنسجم دائما مع حجم المؤهلات التي تزخر بها المنطقة.

فكيف يمكن الحديث عن تثمين سجلماسة، بينما لا تزال قصور تاريخية في المنطقة تواجه خطر التدهور والانهيار؟ وكيف يمكن أن نحتفي بتراث المنطقة، بينما يعيش جزء من هذا التراث في ظروف تهدد وجوده، ويعيش سكانه في ظروف لا تقل هشاشة؟ إن القصر التاريخي ليس مجرد بناية قديمة يمكن تصويرها في موسم سياحي، بل هو جزء من ذاكرة السكان ومجال عيشهم، وحمايته تعني في الوقت نفسه حماية الإنسان الذي يسكنه أو يرتبط به.

ثم يأتي السؤال الاجتماعي، وهو ربما الأكثر إلحاحا: ماذا عن الأسر التي لا تتوفر على دخل قار؟ ماذا عن الشباب الذين لا يجدون فرصا حقيقية للعمل بالقرب من أسرهم؟ وماذا عن المنطقة التي لا تزال في حاجة إلى مشاريع اقتصادية قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل؟ إن التنمية لا تقاس بعدد المشاريع التي تعلن، وإنما بما تتركه هذه المشاريع في حياة المواطن، وبمدى قدرتها على تحويل المنطقة من مجال يملك المؤهلات إلى مجال يستفيد فعلا من مؤهلاته.

وفي منطقة الواحات، لا يمكن الحديث عن المستقبل دون وضع الماء في قلب أي تصور تنموي. الجفاف أنهك المنطقة، والموارد المائية أصبحت أكثر هشاشة، وهو ما يجعل تدبير الفرشة المائية قضية تتجاوز الفلاحة والاستثمار إلى سؤال يتعلق بمستقبل السكان والواحات معا. وإذا كانت هناك أنشطة فلاحية ومشاريع استثمارية تستهلك كميات مهمة من المياه، فإن المطلوب ليس إطلاق الاتهامات، وإنما فتح نقاش عمومي واضح حول الموارد المائية، وحجم الاستغلال، وآليات المراقبة، ومدى ضمان العدالة في توزيع هذا المورد الحيوي، لأن الماء عندما يصبح نادرا لا يعود مجرد عنصر من عناصر الإنتاج، وإنما يصبح شرطا لاستمرار الحياة نفسها.

ولا يمكن الحديث عن التنمية دون التوقف عند المدرسة. ففي منطقة واسعة ومتباعدة التجمعات، لا يزال عدد من التلاميذ يواجهون مشقة التنقل إلى المؤسسات التعليمية، وبعضهم يقطع مسافات طويلة قد تتجاوز سبعة كيلومترات من أجل الوصول إلى المدرسة. والمسافة هنا ليست مجرد رقم، وإنما ساعات إضافية من التعب، ومجهود يضاف إلى يوم دراسي شاق، وقد يكون عاملا من العوامل التي تزيد من هشاشة التمدرس في الوسط القروي. لذلك فإن النقل المدرسي ليس امتيازا، بل جزء من العدالة المجالية ومن ضمان الحق في التعليم.

والسؤال نفسه يطرح عندما ننظر إلى الوضع الاقتصادي للمنطقة. أين هي المصانع التي يمكن أن تمنح الشباب فرصة للعمل؟ أين هي الاستثمارات الكبرى التي تستطيع خلق دورة اقتصادية محلية؟ أين هي الإدارات والمرافق التي يمكن أن تحول المنطقة إلى قطب اقتصادي وخدماتي بدل بقائها رهينة محدودية الفرص؟ لا يمكن أن تظل منطقة غنية بالمؤهلات الطبيعية والتاريخية والبشرية لسنوات طويلة تنتظر فقط مشاريع متفرقة لا تغير بصورة ملموسة حياة السكان.

وإذا كانت المنطقة تتوفر على ثروات معدنية، فإن المواطن من حقه أن يسأل عن الأثر الاقتصادي والاجتماعي لهذه الثروات على محيطها. لا يتعلق الأمر بمطالبة أحد بمنح السكان عائدات مباشرة من الثروات، وإنما بالسؤال عن العدالة المجالية، وعن فرص الشغل، وعن الاستثمار في البنيات والخدمات، وعن مدى استفادة المجال المحلي من النشاط الاقتصادي الذي يتم فوق ترابه. فالثروة حين تستخرج من الأرض ينبغي أن يكون لها أثر محسوس في التنمية المحلية، وإلا ظل المواطن يتساءل: لماذا نعيش بالقرب من الثروة ولا نشعر بوجودها في حياتنا اليومية؟

والأمر ذاته ينطبق على السياحة. المنطقة لا تحتاج إلى من يخبرها بأنها غنية بالمؤهلات السياحية، فهي تعرف ذلك جيدا. ما تحتاجه هو تصور يجعل هذه المؤهلات تتحول إلى اقتصاد حقيقي. سجلماسة والقصور والواحات والمنتوجات المحلية والموروث الثقافي يمكن أن تشكل منظومة متكاملة، لكن ذلك يحتاج إلى بنية تحتية، ومسالك سياحية، وإيواء، وتكوين، وتسويق، وتشجيع للاستثمار المحلي، وإشراك حقيقي للسكان في العائدات الاقتصادية. فلا معنى لسياحة يأتي فيها الزائر ليرى تاريخ المنطقة ثم يغادر دون أن يستفيد منها الحرفي أو صاحب المشروع الصغير أو الشاب الباحث عن فرصة.

المشكلة إذن ليست في حماية سجلماسة، بل في اختزال سجلماسة في موقع أثري فقط. المنطقة أكبر من ذلك بكثير، وسكانها لا يريدون أن تتحول أرضهم إلى مجرد متحف مفتوح، يزوره الآخرون بينما يواصل أهلها مواجهة البطالة والفقر ومشاكل الماء والنقل والخدمات.

إن حماية التراث مسؤولية، لكن حماية الإنسان مسؤولية أكبر. وإذا كانت الأموال التي ستخصص لحماية سجلماسة ضرورية لصون الذاكرة، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافقها هو: ما هي الأموال والمشاريع التي ستخصص لحماية الإنسان الذي يحمل هذه الذاكرة ويعيش فوق أرضها؟

لا يمكن أن تكون التنمية انتقائية، ولا يمكن أن ننظر إلى الحجر بعين المستقبل وننظر إلى الإنسان بعين الماضي. المطلوب رؤية متكاملة تجعل من التراث رافعة للتنمية، ومن السياحة وسيلة لخلق فرص الشغل، ومن الثروات الطبيعية مصدرا لدعم الاقتصاد المحلي، ومن الاستثمار الفلاحي نشاطا يحترم ندرة الماء، ومن التعليم مدخلا لإنقاذ أبناء المنطقة من الهشاشة، ومن القصور التاريخية فضاءات تحفظ الذاكرة وتحمي سكانها في الوقت نفسه.

سجلماسة تستحق أن تحمى، نعم، ولكنها تستحق قبل ذلك أن تعيش. تستحق أن يكون لأبنائها مستقبل، ولشبابها عمل، ولتلاميذها نقل، ولواحاتها ماء، ولقصورها حماية، ولأسرها دخل يحفظ كرامتها، ولثرواتها أثر واضح في محيطها.

فالتاريخ الذي لا يخدم الحاضر قد يتحول إلى مجرد ذكرى، والتراث الذي لا يستفيد منه الإنسان قد يتحول إلى واجهة جميلة تخفي وراءها واقعا مختلفا.

من أراد أن يحمي سجلماسة فليحم سكانها أولا، لأن أعظم ما يمكن أن نحافظ عليه في هذه الأرض ليس حجارتها وحدها، وإنما الإنسان الذي ما زال متمسكا بها رغم كل شيء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى