
في لقاء بعوينات الحجاج بفاس، تحدثت زينة شاهيم عن ضرورة استفادة الجميع من التغطية الصحية، وعن دعم السكن، كما طرحت فكرة تتعلق بتشجيع المواطنين على الادخار، من خلال إضافة 25 درهما عن كل 100 درهم يدخرها المواطن، معتبرة أن خفض أسعار المنتجات من بين الشروط التي يمكن أن تساعد على تحقيق الادخار.
كلام يبدو جميلا في الواجهة، بل ومن الصعب أن يعارضه أحد.
من لا يريد تغطية صحية للجميع؟ ومن لا يريد سكنا لائقا؟ ومن لا يريد أن يستطيع المواطن ادخار جزء من دخله؟ ومن لا يريد انخفاض الأسعار؟
لكن العجب يبدأ عندما نخرج من قاعة الخطاب وندخل إلى واقع المواطن.
فالسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: ماذا نريد أن نفعل مستقبلا؟ بل: ماذا فعلتم عندما كنتم في موقع القرار؟
كيف يمكن لحزب مشارك في تدبير الشأن الحكومي أن يقدم نفسه اليوم وكأنه اكتشف معاناة المواطن مع الأسعار، وكأنه جاء لتقديم حلول لمشاكل لم تكن له علاقة بصناعتها؟
كيف نتحدث عن الادخار لمواطن بالكاد يكمل الشهر؟ عن أي 100 درهم نتحدث، إذا كان المواطن يجد نفسه أمام مصاريف السكن والكهرباء والماء والنقل والغذاء والدواء وغيرها من الالتزامات؟
المواطن لا يحتاج إلى محاضرة في الادخار بقدر ما يحتاج إلى دخل يحفظ كرامته وأسعار لا تلتهم راتبه قبل نهاية الشهر.
والأغرب من ذلك هو الحديث عن خفض الأسعار، في وقت ما زال المواطن يتذكر جيدا موجات الغلاء التي مست مواد أساسية، وارتفاع كلفة المحروقات وانعكاس ذلك على مختلف مناحي الحياة.
وهنا تظهر المفارقة السياسية الكبرى: أن تأتي أحزاب كانت في قلب القرار لتحدث المواطنين عن المشاكل نفسها التي ظل المواطن يصرخ بسببها، ثم تقدم نفسها باعتبارها صاحبة الحلول.
أما التغطية الصحية، فالقصة لا تقل غرابة.
إذا كان الهدف اليوم هو أن “كلشي خاصو التغطية الصحية”، فهذا مطلب نبيل ولا خلاف عليه. لكن السؤال البسيط هو: ماذا عن المواطنين الذين وجدوا أنفسهم خارج الاستفادة أو أمام تعقيدات مرتبطة بالمؤشر ومعايير الاستحقاق؟ ومن يتحمل مسؤولية الاختيارات التي اتخذت في تدبير هذا الورش؟
السياسة ليست أن تقول للمواطن ما يريد سماعه فقط.
السياسة أيضا أن تملك الشجاعة لتقول له: نعم، أخطأنا هنا، وقصرنا هناك، وهذه هي الطريقة التي سنصلح بها ما أفسدناه.
أما أن يكون السياسي داخل الحكومة عندما تُتخذ القرارات، ثم يظهر أمام المواطنين وكأنه خارج كل ذلك، ويحدثهم عن ضرورة معالجة النتائج التي ساهمت السياسات العمومية في إنتاجها، فهذه ليست سياسة جديدة، بل ذاكرة قصيرة جدا.
المواطن المغربي لم يعد يسمع الكلمات فقط، بل يقارن بينها وبين ما عاشه.
يقولون له: ادخر.
فيقول: من أين؟
يقولون: سنخفض الأسعار.
فيقول: ومن أوصلها إلى هذا المستوى؟
يقولون: التغطية الصحية للجميع.
فيقول: وماذا عن الذين وجدوا أنفسهم خارجها؟
يقولون: دعم السكن.
فيقول المواطن: وماذا عن تكلفة الحياة التي تجعل امتلاك السكن حلما مؤجلا؟
المشكلة ليست في أن يتحدث البرلماني عن الحلول، فهذا دوره.
المشكلة حين يتحول الخطاب السياسي إلى محاولة لمحو الذاكرة الجماعية للمواطن، وكأن كل شيء بدأ اليوم.
المواطن ليس ساذجا.
هو يتذكر من حكم، ومن شارك في الحكومة، ومن صوت على السياسات، ومن دافع عن اختياراتها، ومن كان في موقع المسؤولية عندما كان المواطن يشتكي من الأسعار والقدرة الشرائية والتغطية الاجتماعية.
لذلك، قبل أن نسمع عن “25 درهما مقابل كل 100 درهم”، نريد أن نعرف كيف سيبقى المواطن أصلا معه 100 درهم ليضعها في صندوق الادخار.
وقبل أن نسمع عن خفض الأسعار، نريد أن نعرف لماذا أصبحت القدرة الشرائية هاجسا يوميا لدى ملايين الأسر.
وقبل أن نسمع عن التغطية الصحية للجميع، نريد أن نعرف من يتحمل مسؤولية الاختلالات التي عرفها هذا الورش.
السياسة ليست مسابقة في إطلاق الوعود.
السياسة مسؤولية، والمسؤولية تعني أيضا الاعتراف بالماضي، لا القفز فوقه.
أما المواطن، فقد يكون صمته طويلا، لكنه ليس فاقدا للذاكرة.




