فاس… مدينة يقتلها الإهمال وتدفع الأحياء ثمنه

لم يكن الطفل ذو الثلاثة عشر عاماً يبحث عن المغامرة، بل كان يبحث عن مكان يخفف عنه حرارة الصيف. لكنه لم يجد مسبحاً عمومياً ولا فضاءً آمناً، فانتهت رحلته القصيرة داخل بركة مائية بفضاء ملعب الخيل إلى مأساة هزت مدينة فاس.
إن ما وقع بفضاء ملعب الخيل ليس مجرد حادث عابر، بل هو نتيجة مباشرة للإهمال وغياب شروط السلامة داخل فضاء عمومي. فوجود بركة مائية دون سياج أو مراقبة أو إجراءات وقائية يطرح أكثر من علامة استفهام حول تدبير هذا المرفق، وحول مدى الاهتمام الحقيقي بسلامة المواطنين، خاصة الأطفال.
غير أن مأساة ملعب الخيل ليست سوى صورة من واقع أوسع تعيشه مدينة فاس، حيث تعاني أحياء بأكملها من نقص حاد في الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها منطقة المرجة التي أصبحت مثالاً صارخاً على التهميش.
ففي المرجة، لا يزال المسبح العمومي مغلقاً، رغم الحاجة الملحة إليه خلال فصل الصيف، بينما تفتقر المنطقة إلى مستشفى للولادة، الأمر الذي يضطر النساء الحوامل إلى التنقل نحو مناطق أخرى بحثاً عن الرعاية الصحية. كما لا تتوفر المنطقة إلا على ملعب صغير لا يستجيب لحاجيات الأطفال والشباب، فضلاً عن الانتقادات التي يثيرها تدبيره وما يرافقه من حديث عن اختلالات.
ولا تتوقف المعاناة عند هذا الحد، إذ إن عدداً كبيراً من شوارع وأزقة المرجة يعيش وضعاً متدهوراً بسبب التهالك والحفر وغياب الصيانة، في مشهد لا يليق بمدينة بحجم فاس ولا يعكس انتظارات الساكنة.
إن التنمية الحقيقية لا تقاس بالشعارات أو الصور، بل بقدرة المدينة على حماية أطفالها وتوفير الخدمات الأساسية لسكانها. وعندما يموت طفل داخل فضاء عمومي مهمل، وعندما تعيش أحياء كاملة دون مرافق رياضية وصحية لائقة، فإن الأمر لم يعد مجرد تقصير إداري، بل أصبح نموذجاً لفشل الأولويات في تدبير الشأن المحلي.
يجب أن تتحول هذه الفاجعة إلى نقطة انطلاق لمحاسبة المسؤولين، وتأهيل المرافق العمومية، وإنصاف الأحياء المهمشة التي لم تعد تطالب بالكمال، بل بأبسط شروط الحياة الكريمة.




