من يقطف الموت في حقول الفراولة؟.. مأساة العاملات المغربيات بين حرارة الشمس وبرودة السياسات

لم تعد وفاة عاملة زراعية مغربية في حقول الفراولة بإقليم ويلبا الإسباني مجرد حادث عرضي يمكن إدراجه ضمن خانة “قضاء وقدر”، بل أصبحت مؤشرا جديدا على واقع معقد تعيشه آلاف العاملات المغربيات اللواتي يغادرن قراهن ومدنهن كل سنة بحثا عن فرصة عمل مؤقتة تضمن الحد الأدنى من العيش الكريم.
الواقعة الأخيرة، التي قيل إن سببها ضربة شمس نتيجة الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة حول ظروف العمل والإقامة والحماية الصحية التي تستفيد منها العاملات الموسميات. كما أعادت التذكير بحادثة مشابهة سنة 2019، ما يطرح إشكالا أكبر من مجرد حالة فردية، ويتعلق بمدى جاهزية منظومة التشغيل الموسمي لمواجهة المخاطر المناخية المتزايدة.
فخلال السنوات الأخيرة، أصبحت موجات الحر الشديد أكثر تكرارا وحدة في جنوب أوروبا، وهو ما يفرض مراجعة ظروف العمل في القطاعات الفلاحية التي تعتمد على المجهود البدني المباشر تحت أشعة الشمس لساعات طويلة. ومع ذلك، يبدو أن حماية العاملات ما تزال تتأخر عن سرعة التغيرات المناخية التي أصبحت واقعا يوميا.
لكن خلف هذه المآسي تختبئ قصة أخرى أقل ظهورا. فمعظم العاملات الموسميات ينحدرن من أوساط قروية تعاني البطالة والفقر وضعف فرص الشغل. لذلك لا يكون السفر إلى إسبانيا دائما خيارا مهنيا بقدر ما يكون محاولة للهروب من واقع اقتصادي صعب. وهنا تتحول عقود العمل الموسمية من فرصة مؤقتة لتحسين الدخل إلى ضرورة اجتماعية تدفع النساء إلى قبول ظروف عمل شاقة ومخاطر متعددة.
وفي كل مرة تقع فيها حادثة من هذا النوع، ينحصر النقاش في المسؤولية المباشرة عن الوفاة، بينما يغيب السؤال الأهم: لماذا أصبحت آلاف النساء مضطرات أصلا إلى مغادرة أسرهن والعمل في ظروف قاسية خارج الوطن من أجل تأمين لقمة العيش؟
إن حماية العاملات الموسميات لا تقتصر على فتح تحقيق في أسباب الوفاة أو تحسين شروط النقل والإقامة فقط، بل تقتضي أيضا بناء سياسات تنموية توفر بدائل اقتصادية حقيقية داخل المغرب، حتى لا يتحول العمل الموسمي بالخارج إلى قدر اجتماعي مفروض على النساء الفقيرات.
وفاة عاملة في ويلبا ليست مجرد خبر عابر في صفحة الحوادث، بل مرآة تعكس هشاشة اقتصادية واجتماعية ممتدة من القرى المغربية إلى الحقول الإسبانية. وبين ضربة شمس قاتلة في الجنوب الإسباني، وصمت طويل في مناطق التهميش، يبقى السؤال قائما: هل تقتل الحرارة العاملات فقط، أم أن الفقر والتهميش يبدآن المهمة قبل وصولهن إلى الحقول؟




