حزب الجرار ولعبة الغميضة السياسية.. “خرج من الباب وعاد من النافذة”

في السياسة المغربية، هناك أحزاب تتحدث عن البرامج، وأخرى تتحدث عن المبادئ، لكن يبدو أن هناك من أتقن لعبة أخرى أكثر إثارة: لعبة “الغميضة السياسية”. تختفي الوجوه فجأة، ثم تعود فجأة، وكأن شيئا لم يكن.
آخر فصول هذه اللعبة عودة البرلماني محمد سالم الجماني إلى حزب الأصالة والمعاصرة بعد سنوات من الفراق، رغم أن الحزب نفسه كان قد قرر فصله سنة 2023 في خطوة أثارت الكثير من علامات الاستفهام. يومها لم يفهم الرأي العام أسباب الطلاق، واليوم لا يفهم أسباب العودة. وكأن الأمر يتعلق بقصة حب سياسية تمر بفترة “سوء تفاهم” قبل أن تستعيد دفئها من جديد.
المثير أن الأحزاب عندنا أصبحت تتعامل مع قرارات الفصل والطرد كما يتعامل الأطفال مع لعبة الغميضة. يختفي الشخص لبعض الوقت، ثم يظهر من جديد وسط التصفيق والترحيب. لا أحد يشرح للمواطن ماذا حدث، ولا لماذا حدث، ولا كيف انتهى الأمر. فقط يطلب منه أن يتابع الحلقة الجديدة من المسلسل.
فإذا كان قرار الفصل صحيحا ومبنيا على أسباب سياسية أو تنظيمية جدية، فكيف اختفت تلك الأسباب فجأة؟ وإذا كانت الأسباب غير مقنعة أصلا، فلماذا اتخذ القرار من البداية؟ أسئلة منطقية، لكنها غالبا لا تجد أجوبة في الحياة الحزبية المغربية.
المشكلة ليست في عودة شخص أو مغادرته، فذلك حق سياسي مشروع. المشكلة أن الأحزاب ترفع شعارات الحكامة والشفافية والديمقراطية الداخلية، ثم تتحول بعض قراراتها إلى ألغاز تحتاج إلى لجنة تحقيق لفهمها. المواطن يسمع اليوم أن فلانا أصبح خارج الحزب لأنه ارتكب خطأ كبيرا، وبعد سنوات يسمع أن الشخص نفسه عاد إلى الحزب وكأنه حصل على شهادة حسن السيرة والسلوك السياسي.
وفي النهاية، يبدو أن بعض الأحزاب لم تعد تشتغل بمنطق المؤسسات، بل بمنطق المواسم السياسية. ففي موسم معين يصبح الشخص عبئا يجب التخلص منه، وفي موسم آخر يصبح قيمة مضافة يجب استرجاعها. أما المبادئ، فتظل جالسة في زاوية القاعة تنتظر دورها الذي لا يأتي.
لذلك لم يعد غريبا أن يشعر المواطن بأن السياسة تحولت إلى لعبة غميضة طويلة: وجوه تختفي وتعود، خصومات تتحول إلى صداقات، وقرارات توصف بالمصيرية ثم تتبخر مع أول تغير في موازين القوى. أما الناخب، فدوره الوحيد هو متابعة المباراة ومحاولة فهم القواعد… رغم أن اللاعبين أنفسهم لا يبدون متأكدين منها.




