المغرب

نظام الطيبات”.. حين يقرر المواطن معاقبة السوق بمعدته

في بلد ترتفع فيه أسعار المواد الأساسية بشكل متواصل، لم يعد المواطن المغربي يملك الكثير من أدوات الضغط. لا هو قادر على التحكم في الأسواق، ولا على مواجهة المضاربين، ولا حتى على مجاراة موجات الغلاء التي تلتهم القدرة الشرائية يوماً بعد يوم. لذلك، حين ظهر ما يُعرف بـ”نظام الطيبات”، لم يُنظر إليه فقط كنظام غذائي جديد، بل كنوع من الاحتجاج الصامت الذي يمارسه المستهلك عبر مائدته.

الفكرة بسيطة: التقليل أو الامتناع عن استهلاك بعض المواد التي شهدت ارتفاعاً كبيراً في الأسعار، مثل الدجاج والبيض، والتوجه نحو بدائل أقل كلفة وأكثر بساطة. لكن البسيط في الظاهر يخفي خلفه رسالة اقتصادية عميقة: إذا ارتفع السعر بشكل مبالغ فيه، فالمواطن قادر على تقليص الطلب، وبالتالي إعادة التوازن إلى السوق.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تزامن انتشار الحديث عن “نظام الطيبات” مع تراجع نسبي في أسعار بعض المواد الغذائية، وهو ما دفع كثيرين إلى الربط بين الأمرين. قد يكون ذلك مجرد تزامن، وقد تكون هناك عوامل أخرى مرتبطة بالإنتاج والأعلاف والوسطاء، لكن المؤكد أن السوق لا يتحرك فقط بقرارات المنتجين، بل أيضاً بسلوك المستهلكين.

فالاقتصاد في النهاية ليس مجرد أرقام وتقارير، بل علاقة قوة بين من يبيع ومن يشتري. وحين يكتشف المواطن أن بإمكانه التأثير في الأسعار عبر تغيير عاداته الاستهلاكية، فإنه يتحول من ضحية للسوق إلى طرف فاعل داخله.

صحيح أن بعض المختصين يحذرون من تحويل أي نظام غذائي إلى “موضة جماعية” دون أسس صحية وعلمية، خاصة إذا تعلق الأمر بحرمان الجسم من بعض العناصر الغذائية الأساسية، لكن النقاش هنا لم يعد صحياً فقط، بل أصبح اجتماعياً واقتصادياً أيضاً. فالمغربي الذي وجد نفسه عاجزاً عن مواجهة موجة الغلاء، بدأ يبحث عن وسائل بديلة للتأقلم والضغط في الآن نفسه.

والواقع أن الأسواق لا تفهم لغة الشعارات بقدر ما تفهم لغة الاستهلاك. فإذا كان المستهلك يشتري بأي ثمن، فإن الأسعار تستمر في الارتفاع. أما إذا تراجع الطلب، فإن المنتجين والتجار يضطرون إلى مراجعة حساباتهم لتفادي الخسائر وفائض الإنتاج.

لذلك، إذا كان “نظام الطيبات” قادراً فعلاً على إعادة شيء من التوازن إلى الأسعار، وعلى كسر منطق الاستهلاك القسري الذي جعل المواطن رهينة للسوق، فمرحبا به. ليس باعتباره وصفة سحرية لحل الأزمة، بل كرسالة واضحة تقول إن المواطن، حتى وهو بسيط ومثقل بالأعباء، ما زال يملك ورقة ضغط قد تكون أقوى من كثير من الخطابات: ورقة المقاطعة وتغيير العادات الاستهلاكية.

وفي النهاية، ربما لا يحتاج السوق أحياناً إلى قرارات معقدة بقدر ما يحتاج إلى مستهلك واعٍ يعرف متى يشتري، ومتى يقول للأسعار المرتفعة: “لن أدفع”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى