المغرب

مليون منصب شغل… أو كيف نعد المستقبل بالأرقام وننسى الواقع

مرة أخرى، يخرج علينا رئيس الحكومة عزيز اخنوش بخارطة طريق “تسير في الاتجاه الصحيح”، وهي عبارة أصبحت في الخطاب السياسي المغربي مثل “الطقس معتدل” في نشرة الأخبار: تُقال سواء كانت السماء صافية أو عاصفة.
مليون منصب شغل في أفق 2026؟ رقم جميل، دائري، ومريح نفسياً… يشبه تلك الأهداف التي تُكتب في دفاتر التلاميذ في بداية السنة: “سأكون مجتهداً”، قبل أن تبدأ الحقيقة في الظهور بعد أول فرض مفاجئ.
لننظر إلى التفاصيل: 850 ألف منصب بين 2021 و2025، أي بمعدل 170 ألف سنوياً. لكن فجأة، تقفز الأرقام في 2025 إلى 233 ألف منصب. هنا يبدأ السحر: كلما اقتربنا من نهاية الولاية، تصبح الأرقام أكثر نشاطاً من سوق الخضر يوم قبل العيد.
أما القطاع الفلاحي، فقد “انتعش” بـ365 مليون يوم عمل. جميل… لكن هل “يوم العمل” هذا يعني وظيفة مستقرة أم مجرد يوم مؤقت ينتهي مع نهاية الموسم؟ لأن الفرق بين الاثنين هو الفرق بين من يعيش ومن “يدبّر راسو”.
السياحة أيضاً “تجاوزت التوقعات”، وهذا أمر طبيعي، فالتوقعات في كثير من الأحيان تُضبط على المقاس: ضع رقماً منخفضاً، ثم احتفل عندما تتجاوزه. إنها تقنية قديمة: النجاح مضمون إذا كانت التوقعات متواضعة.
نصل إلى دعم المقاولات: 170 مشروعاً تم إيداعها، و21 فقط تم قبولها. نسبة نجاح لا تتجاوز 12%. يبدو أن “تحفيز الاستثمار” يشبه مباريات التوظيف: آلاف يتقدمون، وقلة محظوظة تمر… والباقي يحصل على تجربة في الانتظار.
أما البرامج الاجتماعية، فلدينا “إدماج”، “تحفيز”، و”تدرج”… أسماء جميلة توحي بالحركة، لكن السؤال البسيط الذي لا يحب أحد طرحه: هل هذه البرامج تُنتج وظائف دائمة أم فقط تُدوّر نفس الشباب بين التدريب المؤقت والبطالة المؤجلة؟
حتى محاربة الهدر المدرسي دخلت على الخط، وكأن الحل هو إعادة تدوير المنقطعين بدل معالجة أسباب الانقطاع. نفس المنطق: بدل إصلاح الثقب، نُحسن شكل القارب.
ولا ننسى حضانات النساء: 40 حضانة نموذجية، و20 في الطريق. فكرة جيدة، لكن إذا كانت الوظائف نفسها غير مستقرة، فالحضانة لن تحل معضلة البطالة، بل فقط تجعلها أكثر “تنظيماً”.
في النهاية، يبدو أن الحكومة تشتغل بمنطق بسيط:
إذا كان الواقع معقداً… فلنُبسّطه بالأرقام.
وإذا كانت النتائج ضعيفة… فلنُجمّلها بالمؤشرات.
أما المواطن، فهو لا يعيش داخل “المؤشرات الإيجابية”، بل داخل سوق شغل يعرف جيداً الفرق بين رقم في تقرير… ووظيفة حقيقية تُؤمّن الكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى