العالم

حين يغتال الجسد… وتفلت الفكرة

أبو عبيدة من الناطق العسكري إلى الرمز العصي على القتل



لم يكن أبو عبيدة مجرد ناطق عسكري خرج من خلف قناع وكوفية حمراء، ولا مجرد صوت يعلن عن عملية أو يهدد مدينة. لقد كان، على امتداد سنوات المواجهة، صيغة مكتملة لفكرة؛ والفكرة، كما قال غسان كنفاني يوما، إذا وُلدت لا يمكن قتلها.
من هنا، فإن إعلان استشهاده، مهما كانت دقته الزمنية أو تفاصيله العسكرية، لا يُقاس بميزان الخسارة التقليدية. فالاغتيال، في جوهره، استهداف للجسد، بينما ما مثّله أبو عبيدة تجاوز منذ زمن حدود الشخص إلى بنية رمزية وخطابية يصعب تصفيتها بالقصف أو الاغتيال.
في سياق الصراع الفلسطيني–الصهيوني، قلّما نجح فاعلٌ مقاوم في امتلاك السردية كما فعل أبو عبيدة. لم يكن متحدثا ينقل الوقائع، بل كان يعيد ترتيبها، يربط الميدان بالوعي، ويحوّل الفعل العسكري إلى خطاب سياسي موجه بدقة لجمهورين متناقضين: شعب محاصر يبحث عن المعنى، وعدو متفوّق تقنيا لكنه هش نفسيا.
اختياره الدائم للاختفاء خلف القناع لم يكن تفصيلا شكليا. كان إعلانا واعيا عن ذوبان الفرد في الجماعة، وعن أن الرسالة أهم من صاحبها. هكذا، ومع كل خطاب، كان أبو عبيدة ينسحب خطوة إلى الخلف، ليترك للفكرة أن تتقدم. ولذلك، حين غاب صوته، لم يسقط الخطاب، بل انتقل إلى مستوى آخر: مستوى الرمز.
الكيان الصهيوني، الذي يملك تفوقا ناريا واستخباراتيا، فشل مرارا في حسم معركته مع الرموز. اغتال قادة، ودمّر بنى، لكنه اصطدم دائما بالحقيقة ذاتها: يمكن قتل حامل الفكرة، لكن لا يمكن قتل الفكرة نفسها. من هذه الزاوية، يصبح استهداف أبو عبيدة اعترافا ضمنيا بقوة ما كان يمثله، لا دليلا على نهايته.
الأخطر في الاغتيال ليس فقدان ناطق، بل محاولة كسر الذاكرة الجماعية الفلسطينية، وإحداث فراغ رمزي في لحظة إعادة تشكيل الوعي بعد حرب مدمرة. غير أن التاريخ الفلسطيني يُظهر أن الفراغات الرمزية لا تبقى فراغات طويلا، بل تتحول، غالبا، إلى مساحات لإنتاج رموز جديدة، أكثر تجذرا وأقل فردانية.
أبو عبيدة، بهذا المعنى، لم يعد اسما حركيا، ولا وظيفة تنظيمية. لقد أصبح لغة، ونبرة، وطريقة في مخاطبة العدو دون استجداء، ومخاطبة الشعب دون تزييف. وهو ما يجعل السؤال الحقيقي اليوم لا يتعلق بمن سيحل محله، بل بما إذا كانت الفكرة التي جسّدها ستُستكمل أم ستُختزل.
وكما قال غسان كنفاني، الذي اغتيل جسده وبقيت أفكاره حيّة: الفكرة إذا وُلدت لا يمكن قتلها.
وأبو عبيدة، في الوعي الجمعي الفلسطيني، لم يعد شخصا يمكن اغتياله، بل فكرة وُلدت في قلب المواجهة، وتركت أثرها أعمق من أي ظهور إعلامي.
قد يُسكت الصوت،
لكن حين يتحول إلى فكرة،
فإن الصمت نفسه يصبح امتدادا للخطاب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى