
بالصدفة، وأنت تمر أمام مستوصف حي المرجة، قد تظن أن الأمر يتعلق بحملة تحسيسية أو نشاط جمعوي. لكن الواقع مختلف: رجال ونساء وأطفال خرجوا في مسيرة صامتة نحو ملحقة الإدارة، ثم عادوا إلى نفس الباب الذي كان يفترض أن يُفتح في وجوههم للعلاج. السبب بسيط وصادم في الآن نفسه: الطبيب غائب منذ أسبوع كامل، ولا أحد يقدّم جوابًا واضحًا.
الأمر لا يتعلق بإضراب، ولا بخلاف إداري، ولا بمطلب فئوي. الناس خرجوا لأنهم يريدون التداوي فقط. يريدون فحصًا بسيطًا، وصفة دواء، قياس ضغط الدم، متابعة مرض مزمن. أشياء عادية في أي حي عادي. لكن في المرجة، حتى العادي أصبح استثناءً.
الأخطر أن الغياب لا يقتصر على الطبيب. الممرض الذي كان يقدّم العلاجات شبه الطبية التحق بمستشفى آخر، ولم يتم تعويضه. النتيجة؟ فراغ كامل داخل مؤسسة يفترض أنها خط الدفاع الأول عن صحة الساكنة. يتم توجيه المواطنين نحو جهات أخرى لتلقي بعض الإسعافات، وكأن الأمر يتعلق بخدمة إضافية لا بحق أساسي.
أي منطق هذا الذي يجعل مستوصفًا عموميًا بلا طبيب ولا ممرض؟
وأي رسالة تُبعث إلى الساكنة حين يُطلب منها “تفهم الظروف” بينما المرض لا ينتظر؟
في كل مناسبة، نسمع أرقامًا عن الإصلاح، وعن تجويد الخدمات، وعن تقريب الإدارة من المواطن. لكن حين يصل الأمر إلى أبسط الحقوق – الحق في العلاج – نصطدم بباب مغلق. ليس مجازًا، بل حرفيًا.
الصحة ليست ترفًا، ولا ملفًا يمكن تأجيله إلى حين توفر المناصب أو انتهاء المساطر. حين تغيب الأطر الطبية، لا يتعطل مرفق إداري فقط، بل تتعطل حياة أشخاص: مريض سكري يحتاج متابعة، امرأة حامل تنتظر فحصًا، مسنّ يبحث عن دوائه الشهري.
وإذا كان هذا حال المرفق الصحي، فالمشهد البيئي لا يقل دلالة. صحيح أن مشكل الحاويات قرب مسجد التآخي تم التدخل فيه مؤقتًا، بعد أن تحوّل محيط المسجد إلى نقطة سوداء بروائح كريهة وحشرات ومخاطر على المارة. لكن المعالجة الظرفية لا تعني أن المشكل انتهى. الأزبال تعود كلما غاب التتبع، كما تعود نفس الأسئلة كلما غاب المسؤول.
حي المرجة اليوم لا يطالب بالمستحيل. لا يطالب بمستشفى جامعي ولا بمشاريع عملاقة. يطالب بطبيب يحضر إلى عمله، وممرض يعوَّض حين يُنقل، وحاويات توضع في مكان يحترم حرمة مسجد وسلامة المارة.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:
ما الذي يجب أن يحدث حتى تتحرك الجهات المعنية؟
هل ننتظر تفاقم حالة صحية؟ أم حادثة بسبب السير في قارعة الطريق هربًا من حاويات تحتل الرصيف؟
حين تضطر الساكنة إلى الاحتجاج من أجل حقها في العلاج، فذلك مؤشر خطير. لأن المجتمع الذي يخرج فيه الناس طلبًا للطبيب، هو مجتمع يشعر بأن صوته لا يُسمع إلا حين يرفع مستوى الاحتقان.
حي المرجة لا يحتاج خطابات مطمئنة. يحتاج قرارًا فوريًا بتعيين طبيب وتعويض الممرض وضمان استمرارية الخدمة الصحية بشكل منتظم. يحتاج تدبيرًا يوميًا يحترم كرامة المواطن، لا تدخلات موسمية تمتص الغضب ثم تنسحب.
بصراحة، حين يغيب الطبيب، وتتراكم الأزبال، وتطول لائحة الانتظار… يصبح السؤال مؤلمًا:
ماذا تبقى من معنى العيش الكريم إذا كان أبسط الحقوق غير مضمون؟




