غير مصنف

من الرياضة إلى التحريض: حين تتحول التدوينة إلى أداة استهداف سياسي


سجّل نهائي كأس أمم إفريقيا، الذي احتضنه المغرب في ظروف تنظيمية عالمية، غياب التهنئة الرسمية من موقعي الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) والاتحاد الدولي (الفيفا)، وهو ما أثار تساؤلات في الأوساط الرياضية والإعلامية خصوصا وأن القرار النهائي للكاف لم يصدر بعد في حق المنتخب السينغالي . غير أن ما كان يفترض أن يبقى في إطار نقاش مؤسساتي ورياضي، جرى توظيفه من طرف بعض الأصوات الإعلامية لتحويله إلى أداة استهداف سياسي مباشر للمغرب.
من بين هذه الأصوات، برز اسم المعلق الجزائري حفيظ الدراجي، العامل بقناة الجزيرة، من خلال تدوينة حاول من خلالها الظهور بمظهر “المدافع عن القيم الرياضية”، بينما مضمونها وسياقها يكشفان عن خطاب يتجاوز الرياضة إلى إعادة إنتاج سردية سياسية موجهة. فالدراجي، الذي لم يُخفِ منذ سنوات موقفه العدائي من المغرب، استغل هذه الواقعة ليواصل حملة ممنهجة، باتت لغتها بعيدة كل البعد عن التحليل الرياضي المهني.
من تابع تعليقات الرجل خلال مباريات كأس إفريقيا، يلاحظ أن لغته لم تعد تقنية ولا محايدة، بل انزلقت نحو التشكيك والتلميح والتحريض، مع تركيز دائم على الطعن في تنظيم المغرب للبطولة، في تناقض صارخ مع إشادة المنتخبات المشاركة، والجماهير، ووسائل الإعلام الدولية، التي اعتبرت النسخة المغربية من أنجح الدورات على مستوى التنظيم والبنية التحتية والأمن.
والمفارقة أن الدراجي، وهو ينتقد الكاف والفيفا لغياب التهنئة، تجاهل عمدًا وقائع خطيرة كان يفترض أن تشكل مادة نقده الأساسية لو كان الخطاب مهنيًا فعلًا. لم يتوقف عند سلوك المدرب السنغالي ومساعده الجزائري، اللذين كادا يحولان المباراة النهائية إلى فوضى، ولم يشر إلى قانون كرة القدم الذي ينص على إقصاء أي منتخب ينسحب أو يهدد بالانسحاب. كما صمت عن تصرفات موثقة لبعض المشجعين الجزائريين، من تمزيق أوراق مالية داخل المدرجات إلى سلوكيات لا تمت للرياضة بصلة.
هذا الصمت الانتقائي لا يمكن فصله عن مناخ إعلامي أوسع. فالمسألة لم تعد مرتبطة بشخص واحد، بل بخط تحريري كامل. ويكفي في هذا السياق التوقف عند واقعة استقالة صحفية فرنسية من قناة beIN Sports، وهي القناة نفسها التي يُفترض أنها حاضنة للخطاب الرياضي المهني. الصحفية صرّحت بوضوح أنها لم تعد قادرة على الاستمرار في صحافة فقدت معناها، بعدما تعرضت لحملة كراهية واسعة فقط بسبب سؤال مهني وجهته إلى حارس المرمى السنغالي عقب إحدى المباريات. وأكدت أنها تتحمل مسؤولية سؤالها، لأن السؤال في جوهره ممارسة صحفية مشروعة، لكن الخطير – حسب شهادتها – هو أن يصبح السؤال هو المشكلة، لا الجواب. الأخطر من ذلك أنها كانت مستعدة لتقبّل ردود فعل الجمهور، لكنها لم تتقبل الهجوم والتضييق الصادر عن زملاء صحفيين داخل القناة نفسها. هذه الشهادة الصادرة من الداخل تكشف بوضوح اختلالًا عميقًا في المعايير: يُترك المجال لمن يمارس التحريض، ويُضيَّق على من يلتزم بالموضوعية ويقول الحقيقة.
في هذا السياق، يصبح خطاب الدراجي جزءًا من منظومة، لا حالة معزولة. منظومة تسمح بترويج السرديات العدائية للمغرب، وتُلبسها لباس “التحليل الرياضي”، بينما تُحاصر كل صوت مهني لا ينسجم مع هذا التوجه. وهو ما يؤكد أن بعض القنوات لم تعد تكتفي بنقل الحدث، بل تحولت إلى فاعل مباشر في توجيه الرأي العام وتصفية الحسابات السياسية عبر بوابة الرياضة.
أمام هذا الواقع، لم يعد الصمت خيارًا. المطلوب اليوم من الإعلام المغربي، بكل أطيافه، هو تفكيك هذا الخطاب، وفضح خلفياته، والتنبيه إلى أن ما يُقدَّم على أنه رأي رياضي ليس سوى جزء من حملات ممنهجة تستهدف صورة المغرب ومكانته الإقليمية والدولية.
الرياضة ستظل مجالًا للتنافس الشريف، لا أداة للتحريض. والتاريخ لا ينسى، لكنه أيضًا لا يرحم من يحاول تزوير الوقائع تحت غطاء الميكروفون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى