المغرب

منتدى الاستثمار الافريقي بالرباط.. قراءة في رسائل الاقتصاد الجديد للقارة

اختتم المنتدى الافريقي للاستثمار 2025 اشغاله بالرباط تحت رعاية ملكية، حاملا معه مؤشرات قوية على تحول عميق في النظرة الى الاستثمار داخل القارة. الارقام المعلنة، وعلى رأسها اهتمام استثماري يفوق 15.2 مليار دولار، ليست مجرد حصيلة تقنية، بل اشارة الى عودة افريقيا الى طاولة النقاش الاقتصادي العالمية، ولكن برؤية جديدة هذه المرة.

اولا، تسجيل حضور فاق 1700 مشارك من وزراء، مؤسسات مالية، رجال اعمال، ومستثمرين دوليين يؤكد ان الرباط استطاعت تحويل المنتدى الى منصة فعلية للحوار الاقتصادي، وليس مجرد ملتقى بروتوكولي. هذا الحجم من المشاركة يعكس الثقة المتزايدة في الاستقرار المغربي، وقدرته على لعب دور المحور الاقتصادي والمالي بين اوروبا وافريقيا.

ثانيا، تركيز المنتدى على البنية التحتية والاقتصادات الرقمية يكشف تحولا واضحا في ترتيب الاولويات داخل القارة. فافريقيا لم تعد تكتفي بالمطالبة بالتمويل، بل اصبحت تبحث عن شراكات تكنولوجية وتنموية تعيد تشكيل نموذجها الاقتصادي. فالحديث عن الطاقة المستدامة، المدن الذكية، والخدمات الرقمية لم يعد ترفا، بل ضرورة تنموية في مواجهة منافسة دول صاعدة مثل الهند وتركيا وماليزيا.

ثالثا، حضور ملف الشباب والنساء في صلب النقاش يعكس وعيا متزايدا بان مستقبل القارة لن يصنع بالموارد الطبيعية وحدها، بل برأس مالها البشري. دعم ريادة الاعمال، توفير التمويل الصغير، وبرامج التكوين، كلها اوراش تسعى الى تحويل كتلة ديمغرافية ضخمة الى قوة انتاج وليس عبئا اجتماعيا. المغرب، عبر تجاربه في الادماج المهني وتمويل المقاولات الناشئة، يقدم نموذجا يمكن البناء عليه على المستوى القاري.

رابعا، الرؤية الواضحة التي حملها المنتدى نحو تعزيز تنافسية افريقيا وتنفيذ مشاريع مستدامة تتجاوز شعار “الاستثمار في افريقيا” نحو “افريقيا تستثمر في نفسها”. وهذا التحول يرتبط بعدة عوامل: نضج المؤسسات المالية القارية، تطور البنيات التحتية العابرة للحدود، والتحولات الجيوسياسية التي جعلت من القارة رقما صعبا في معادلة الامن الطاقي والغذائي العالمي.

خامسا، تنظيم المنتدى في الرباط يكرس الدور الذي اصبح المغرب يلعبه كمختبر افريقي للتجارب الاقتصادية. فالسياسة الاستثمارية للمملكة لم تعد محصورة في جذب الرساميل، بل في صناعة منصات اقليمية: من الموانئ الكبرى، الى الطاقات المتجددة، الى الخدمات المالية، مرورا بالبحث العلمي والابتكار.

باختصار، منتدى الاستثمار الافريقي 2025 لم يكن مجرد مناسبة للاعلان عن ارقام، بل محطة سياسية واقتصادية تعيد رسم ملامح افريقيا المقبلة: قارة تتجه نحو التكامل، وتنافسية اعلى، ونموذج تنموي اكثر استقلالية. والمغرب، من خلال الرباط والداخلة وكبريات مدنه الاقتصادية، يواصل تثبيت موقعه كاحد الفاعلين الاساسيين في صياغة هذا المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى