ممر لوجستي كهربائي بين المغرب وأوروبا: رهان استراتيجي على النقل النظيف وتعزيز الموقع الجيو-اقتصادي

تتجه أنظار عدد من الفاعلين الصناعيين الدوليين نحو إطلاق مشروع لوجستي طموح يربط المغرب بكل من إسبانيا وفرنسا عبر ممر يعتمد على الشاحنات الكهربائية، في خطوة تعكس تحولا نوعيا في أنماط النقل التجاري، وتؤكد المكانة المتقدمة التي باتت تحتلها المملكة ضمن سلاسل الإمداد الإقليمية.
ويقود هذه المبادرة كل من شركة Gotion المتخصصة في تكنولوجيا البطاريات، وشركة Chery الصينية لصناعة السيارات، حيث يسعى الطرفان إلى تطوير نموذج نقل مستدام يستجيب للتحولات المتسارعة في أسواق الطاقة والنقل، خاصة في الفضاء الرابط بين جنوب أوروبا وشمال إفريقيا.
ويقوم المشروع، الذي لا يزال في مراحله الأولية، على إرساء منظومة نقل بري تعتمد بشكل كامل على الكهرباء، كبديل للشاحنات العاملة بالديزل، وذلك على محور استراتيجي يشهد حركة كثيفة تُقدَّر بنحو 2000 شاحنة يوميًا. وهو ما يجعل من هذا الممر أحد أبرز الرهانات العملية لتقليص البصمة الكربونية لقطاع النقل الطرقي.
ولا ينفصل هذا التوجه عن التحولات الكبرى التي يعرفها قطاع النقل عالميًا، في ظل تصاعد الضغوط المرتبطة بارتفاع أسعار الوقود الأحفوري، والتزامات الدول بخفض الانبعاثات، ما يدفع نحو تسريع الانتقال إلى حلول نظيفة وأكثر استدامة.
وفي هذا الإطار، يراهن القائمون على المشروع على تكامل الخبرات، من خلال الاستفادة من ريادة Gotion في تطوير البطاريات، المدعومة باستثمارات داخل أوروبا، إلى جانب القدرات الصناعية لشركة Chery، بما يسمح بإرساء منظومة لوجستية متكاملة تراعي خصوصيات البنية التحتية وتحديات التكلفة في المنطقة.
ويعزز اختيار المغرب كمحور أساسي في هذا المشروع من مكانته كمنصة لوجستية إقليمية، مستفيدًا من موقعه الجغرافي الاستراتيجي كبوابة نحو إفريقيا، ومن بنيته التحتية المتطورة في مجالات الموانئ والطرق، إضافة إلى اتفاقياته التجارية التي تربطه بعدد من الشركاء الدوليين.
ورغم ما يطرحه المشروع من تحديات، خاصة في ما يتعلق بتوفير محطات الشحن على طول المسار، وكلفة الاستثمار الأولي، فإن المؤشرات الحالية توحي بإمكانية تحوله إلى نموذج رائد في مجال النقل المستدام، خصوصًا مع تسارع وتيرة التحول الطاقي على الصعيد العالمي.
في المحصلة، لا يمثل هذا المشروع مجرد مبادرة تقنية، بل يعكس توجهاً استراتيجياً لإعادة تشكيل أنماط النقل والتبادل التجاري، ويكرس دور المغرب كفاعل محوري في الربط بين أوروبا وإفريقيا، في أفق بناء منظومة لوجستية أكثر كفاءة واستدامة.




