مصطلحات وكلمات منحوتة من اللسان العربي لا يعرف ويدري كُنْهَهَا المتعلم الذكي، فبالأحرى الأمي الشقي

بقلم الشيخ الفقيه المقرئ عبد اللطيف بوعلام الصفريوي.
مما لا شك فيه أن العلماء قد استخدموا المنحوتات لاختزال الألفاظ في رموز مأخوذة من الجمل المزمع بيانها أو تلقينها لتسهيل مأمورية الحفظ والاستذكار، والذي يعنينا هنا هو إماطة اللثام عن أمور متداولة بين المَقاوِل (الألسن)، والأغلبية الساحقة لا تدري مصدرها اللغوي ومعناها الديني:
ولا ينفع ذا الجَدُّ منك الجَدُّ، وأغلبهم يكسرون الجيم من الجٍدية، وهو مخالف للصواب الوارد في الذكر النبوي العظيم:
” اللهم لا مَانِعَ لِمَا أعطيت، ولا مُعطيَ لِمَا منعت، ولا ينفع ذا الجَدُّ مِنك الجَدُّ “، ففي هذه الألفاظ المختزلة تحرير القلب من أو التعلّق بالأسباب والمجهودات المطلوبة شرعا في الحركة على أن العطاء والمنع بيد الله، ومعنى الجد الوارد في الدعاء النبوي الشريف: أي لا ينفع صاحب الحظ أو الغنى أو الجاه أو القوة أو النسب حظه ولا مكانته، ولا ما يملكه من أسباب دنيوية عند الله، فلا مال ولا سلطان ولا علم ولا اجتهاد مجرد عن الإخلاص ينجي صاحبه بين يدي الله، وإنما النجاة برحمته وفضله وقَبول العمل.
وفي هذا تذلل وهدم جذري لكل صور الغرور والاستعلاء والعُجب بالنفس والعمل والمكانة، وترسيخ لمعنى العبودية الخالصة لله وحده لا شريك له.
وبمعنى آخر: لا ينفع صاحب الحظ أو الجاه أو القوة حظه ولا مكانته أمام الله ولا ينجّي الإنسانَ عند الله إلا الله، ولا يعتمد العبد إلا على رحمته، لا على ما يملكه أو يظنه قوةً له.
هذا ما جادت به قريحتي الفجرية، وإلى مقال توضيحي آخر لتعميم الفائدة التي تتلقفها _ مع كامل الأسف وشديد الحسرة _ ثلة قليلة من المؤمنين والمؤمنات الساعين لضبط المسار وتقويم المسير ، ذلك أن القِلَّة في كتاب الله عالقة بأصحاب الإيمان الخُلَّصِ، والكثرة الغالبية الساحقة بأهل الكفر والهرطقة والزندقة، وأمة اقرأ عادت لا تقرأ رغم مناشدة ومناداة الله لنبيه بخاصة ولأتباعه ضمنيا بالقراءة في أول خطاب شفهي يتلقاه رسولنا من رب الأنام بواسطة أمين الوحي جبريل عليه السلام:
” اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ “. وبه التمام، وعليكم السلام.
التعوذ: أو الاستعاذة بنَقْطِ الذال وجوبا، وهو قولك: ” أعوذ بالله من الشيطان الرجيم “، وقد أتى في التلفظ به أو بها أعني الاستعاذة أخبار، وغير ما ورد في سورة النحل لا يُخْتَار موافقة للأمر بها من الواحد القهار:
” فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(98)”. أي قل: ” أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ” والعديد ينطقها بالدال:
” أعودُ ” من العَوْد أي الرجوع، ولا يخفى على كل لبيب وحصيف باللسان العربي الفرق الشاسع بينهما، ومن قال بأن النية تكفي، فهو بعيد عن الطريق المقتفي.
الْبَسْمَلَةُ: وهي قولك: ” بسم الله الرحمن الرحيم “، وقد سال في معناها مداد كثير مُلخَّصُه ببساطة هو: ابتداء المسلم عمله بتسمية خالقه استهلالا بذكره قبل فعل أي شيء مباح. الغرض هو طلب للعون والمدد والتوفيق من خالقه باعتباره الرب الواحد الأحد المعبود صاحب الكرم والجود، واسع الرحمة وكثير الفضل والإحسان، حيث عمَّت رحمتُه جميع مخلوقاته.
الْهَلَّلَةُ، وهي قولك: ” لا إله إلا الله ” بمعنى أنه لا معبود بحق إلا الله “. وهي مكونة من نفي لأي إله افتراضي صُوريٍّ وإثبات لله الفرد الصمد الحقيقي.
الْحَوْقَلَةُ، وهي قولك: ” لا حَوْلَ ولا قوة إلا بالله “.
ومعناها اعترافك الكامل بضعفك وقلة حيلتك مع موجِدِك
باعتباره ربك ومولاك وولي نعمتك، والمتصرف المطلق في كل حياتك: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَآيَ وَمَمَاتِي لِله رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ الأنعام: (162). فلا شيء يمنحك السّكينة مثل أن تعيش لله، وأن تمضي في طرقات الحياة متوكّلاً عليه سبحانه وتعالى عما يشركون، فإن تعثّرت وانتكست، فحسبك أن الله يعلم حدود كل محاولاتك، وإن أحرزت نجاحًا كنت لله عبدًا شكورا: حيث لا تَحَوُّلَ لك من حال إلى حال إلا بإذن الله، ولا فرَج لك من بعد هَمٍّ وغمٍّ إلا بإذنه، ولا يُسْرَ من بعد عُسْرٍ إلا بإعطاء أمره.
الْحَمْدَلَةُ، وهي قولك: ” الحمد لله ” حمدا لربك الخالق الرازق المنعم المتفضل ثناء بالجميل عليه من جهة التبجيل والتعظيم. لا يشاركه أحد في هذا الشكر والإحسان. إذ لا يليق القول لأي كان:
” أنا أحمدُك بل تقول: أنا أشكرك لأن الحمد عالق بالذات الإلهية وحدها، ولمَّا علم العزيز المقتدر عدم وصول الخلائق كلها (من ملائكة، وإنس وجن وسموات وأرضين، وموجودات لا نعلمها ) إلى حمده حَمِدَ نفسه بنفسه، فقال عز من قائل: ” الحمد لله رب العالمين “.
الْمَشْأَلَةُ وهي قولك:
” ما شاء الله ” بمعنى
أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن سواء بذلت المجهود أو لم تبذله لأنه ليس لك من الأمر شيء، ولو اجتمع الإنس والجن على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وكذلك لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، وهذا أمر محسوم مقتبس من حديث مبلغ الوحي الرحمة المهداة الذي لا يملك سلطة هداية الناس ماثلة في قول تعالى له بسورة القصص مذكرا: { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلَٰكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ، وَهُوَ أََعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (65)}، فعندما حضرت الوفاة عمَّه أبا طالب، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: “يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاجُّ لك بها عند الله”، فأبى ومات على الكفر، فنزلت الآية السالفة في الذكر .
لذا فعلينا استقبال ما يأتينا من ربنا بكامل الرضا والشكر، فكل ما هو من عند الله خير، ورب الخير لا يأتي إلا بالخير: ﴿وَعَسَى أًن تَكْرَهُواْ شَيْئَاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسَى أنْ تُحِبُّواْ شَيْئَاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُم لَا تَعْلَمُونَ (216) ﴾ من سورة البقرة.
التكبير، وهو قولك:
” اللهُ أًكْبَرْ ” بتحقيق الهمزتين الوصلية ابتداء والهمزية وجوبا، ودون مد الباء كما يفعل من لا حظ له في علم التجويد لأن أَكْبَار هو الطبل، ولعلمكم، فإن اسم التفضيل لا بد له من المفضَّلِ منه ليستقيم التعبير:
” أكبر من ماذا؟ “، وبما أن صاحب الفضل والإنعام والكرم والجود هو مُوجِدُهُ، فأكبر تامة في حقه، وقالوا:
” اَللهُ مُبْتَدَأٌ وَأَكْبَرُ خَبَرُ ^ وَقَدْ جَوَّدَ النُّطْقَ بِهَا مَنْ خَبَرُوا “، ولا يمكن أن يكون اسم التفضيل مجردا عن المفضل منه بتاتا إلا في حق الله. هذا أمر زُكِنَ وًحُسِمَ عند النحاة والبلاغيين.
التَّلْبِيَّةُ: ” لَبَّيْكَ اللهم لَبَّيْكْ…”، وهي كلمة خاصة بالله المنادي لعباده إجابة طوعية له، والدليل على هذا القول ما ورد في الصحيح من أن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا آدم، فيقول: ” لَبَّيْكْ “. وقد تحمل معنى الإقامة من قولهم ألبَّ بالمكان أي: أقام فيه، فهي إذاً متضمنة للإجابة والإقامة استدامة على طاعة الرب الخالق الرازق والهادي إلى سواء السبيل.




