مشاركة مغربية وازنة في تمرين “رماح النصر”: عندما تتحول المناورات إلى لغة دبلوماسية صلبة

لا تندرج مشاركة القوات المسلحة الملكية المغربية في التمرين العسكري الدولي “رماح النصر”، الذي تحتضنه المملكة العربية السعودية، ضمن خانة الأنشطة الروتينية أو المجاملات العسكرية العابرة، بل تعكس توجهاً استراتيجياً متصاعداً للمغرب نحو ترسيخ حضوره كشريك أمني موثوق في بيئة إقليمية ودولية تتسم بتعقيد غير مسبوق.
التمرين، الذي يعرف مشاركة خمس عشرة دولة من قارات مختلفة، يشكل منصة عسكرية متعددة الجنسيات، تتجاوز منطق الاستعراض إلى منطق اختبار الجاهزية الفعلية، وتوحيد العقائد العملياتية، وبناء قدرات مشتركة قادرة على الاستجابة لتهديدات هجينة لم تعد تقليدية في طبيعتها ولا في أدواتها.
بالنسبة للمغرب، فإن الانخراط في “رماح النصر” يندرج في سياق سياسة دفاعية واضحة المعالم، تقوم على التوازن بين تحديث القدرات الذاتية والانفتاح على الشراكات النوعية. فالمشاركة إلى جانب دول كبرى مثل الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، وتركيا، إلى جانب قوى إقليمية صاعدة، لا تحمل فقط بعداً عسكرياً، بل رسالة سياسية مفادها أن الرباط باتت رقماً صعباً في معادلات الأمن الإقليمي والدولي.
ويكتسي هذا التمرين أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعته المركبة؛ إذ لا يقتصر على العمليات الجوية أو التكتيكية التقليدية، بل يمتد ليشمل مجالات الحرب الإلكترونية والسيبرانية، والعمل في بيئات عمليات متعددة الأبعاد، حيث تتقاطع التهديدات العسكرية مع المخاطر الرقمية وحروب المعلومات. وهو ما ينسجم مع التحولات العميقة التي تعرفها طبيعة النزاعات في العالم اليوم.
كما أن مشاركة القوات المغربية في تدريبات التخطيط والتنفيذ المشترك، وتكامل القوات، والعمليات المختلطة، تتيح لها فرصة ثمينة لاختبار قدراتها في بيئات تحاكي سيناريوهات واقعية، وتطوير آليات التنسيق مع جيوش تختلف من حيث العقيدة، التسليح، والخبرة الميدانية. وهذا ما يعزز قابلية القوات المسلحة الملكية للعمل ضمن تحالفات متعددة الجنسيات، سواء في إطار حفظ السلام أو مكافحة الإرهاب أو تأمين الاستقرار الإقليمي.
من زاوية أخرى، تعكس “رماح النصر” تحوّلاً في مفهوم القوة، حيث لم تعد الكفاءة العسكرية تُقاس فقط بامتلاك العتاد، بل بمدى القدرة على الاندماج، التكيف، وتبادل المعرفة. وهو رهان يبدو أن المغرب قد استوعبه مبكراً، من خلال استثماره المتواصل في العنصر البشري، والتكوين، والانفتاح على التمارين المشتركة ذات القيمة المضافة العالية.
في المحصلة، لا يمكن قراءة مشاركة المغرب في هذا التمرين بمعزل عن سياق أوسع، يتمثل في سعيه إلى تثبيت موقعه كفاعل أمني إقليمي مسؤول، يعتمد مقاربة استباقية تقوم على الشراكة بدل العزلة، وعلى الجاهزية بدل ردّ الفعل. فـ“رماح النصر” ليست مجرد مناورة عسكرية، بل ترجمة ميدانية لسياسة دفاعية هادئة، دقيقة، وواعية بتحولات العالم.




