
منذ أن وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في خطابه السنوي أمام السفراء اعتقال الكاتب الجزائري بوعلام صنصال بـ”العار”، لم يعد يتحدث علناً عن الملف الجزائري، رغم تصاعد التوترات بين باريس والجزائر. ويبدو أن هذا الصمت المتعمد لم يكن مجرد صدفة، بل يعكس توجهاً سياسياً فرنسياً يعزز موقفه إزاء القضية الصحراوية، ما يثير استياء النظام الجزائري.
انتظارات جزائرية وصمت فرنسي مربك
الجزائر كانت تترقب أي تصريح من قصر الإليزيه، يفتح لها باب التراجع عن التصعيد السياسي تجاه باريس. غير أن ماكرون لم يمنح النظام الجزائري هذا الامتياز، بل زاد من تعقيد الأمور عبر إرسال إشارات سياسية واضحة تفيد بأن فرنسا لن تغيّر موقفها بشأن الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه، وهو ما يمثل ضربة موجعة لكل من كان يراهن على تراجع فرنسي محتمل.
منذ فترة، حاولت الجزائر ممارسة ضغوط دبلوماسية مكثفة على فرنسا لدفعها إلى مراجعة موقفها. كما استثمرت في بعض الوجوه السياسية والإعلامية الفرنسية، مثل المؤرخ بنجامين ستورا الذي بدأ يتبنى بعض روايات الدعاية الجزائرية، ورئيس الوزراء الأسبق دومينيك دو فيلبان الذي لم يتوانَ عن انتقاد السياسة الفرنسية تجاه الجزائر. ولم تخلُ الساحة أيضاً من سيرولين رويال، المرشحة الاشتراكية السابقة للرئاسة، التي لم تتوقف عن انتقاد ماكرون بخصوص موقفه من الجزائر.
زيارات مسؤولي فرنسا إلى الصحراء: خطوة غير مسبوقة
رغم الصمت الفرنسي الرسمي عن التصعيد الجزائري، جاء الرد على شكل تحركات دبلوماسية عملية، أبرزها برمجة زيارة رشيدة داتي، وزيرة الثقافة الفرنسية، إلى الأقاليم الجنوبية المغربية، وهي سابقة في تاريخ العلاقات الفرنسية المغربية، شكلت ضربة قوية للرواية الجزائرية. هذه الزيارة، التي استفزت النظام الجزائري، أكدت بشكل لا لبس فيه أن فرنسا ماضية في موقفها الداعم لمغربية الصحراء.
أما الإشارة الثانية الأكثر دلالة، فتمثلت في زيارة رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي، جيرار لارشيه، إلى الصحراء المغربية بين 23 و26 فبراير. بصفته ثالث أهم شخصية في الدولة الفرنسية، فإن وجوده في العيون والداخلة يمثل إعلاناً سياسياً صريحاً بأن الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء أصبح أمراً واقعاً لا رجعة فيه.
الجزائر أمام مأزق دبلوماسي جديد
زيارة المسؤولين الفرنسيين إلى الصحراء المغربية لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية، بل خطوة تعزز الموقف الفرنسي الثابت، وتجعل أي تراجع في المستقبل مستبعداً تماماً. في المقابل، لم يجد النظام الجزائري من وسيلة للرد سوى التصعيد الإعلامي والدبلوماسي، في مشهد يعكس حجم الارتباك الذي يعيشه أمام التحولات المتسارعة في المواقف الدولية.
ماكرون في مواجهة اختبار العلاقة مع الجزائر
رغم أن الرئيس الفرنسي لم يتحدث بشكل مباشر عن الأزمة مع الجزائر، إلا أن استمرار هذا التوتر يطرح سؤالاً جوهرياً على الطبقة السياسية الفرنسية وعلى السلطات الجزائرية:
كيف ستدير فرنسا علاقتها مع الجزائر إذا أصبح مؤكداً أن باريس لن تتراجع عن دعم مغربية الصحراء؟
هل سنشهد تصعيداً يؤدي إلى ما سماه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بـ”القطيعة النهائية”؟ أم أن باريس ستجد وسيلة لإجبار النظام الجزائري على التكيف مع الواقع الجديد؟
ماكرون أمام تحدٍ دبلوماسي جديد
يتعين على ماكرون، الذي حاول منذ بداية ولايته تحقيق مصالحة تاريخية مع الجزائر، أن يجد طريقة لإقناع النظام الجزائري بتقبل الوضع الجديد. فبعد أن جعل من التصالح التاريخي بين باريس والجزائر أحد محاور سياسته في المنطقة، قد يجد نفسه اليوم أمام رهان جديد:
مساعدة الجزائر على التكيف مع واقع أن الصحراء مغربية، دون التسبب في انهيار العلاقة الثنائية بين البلدين.
إنها ليست مهمة مستحيلة، ولكنها ليست سهلة أيضاً. ففرنسا لديها مصالح حيوية في المنطقة، ولا ترغب في خسارة شريك استراتيجي مثل المغرب، كما أنها لا تستطيع التضحية بعلاقتها مع الجزائر. ويبقى السؤال المطروح: هل يستطيع ماكرون تحقيق هذا التوازن المعقد؟