أقلام حرةالمغربفاس

ثلاثة أحزاب تعاقبت على الريصاني… والنتيجة مدينة عالقة في الزمن

بقلم: المسكين يوسف

الريصاني ليست مدينة ينقصها التاريخ، ولا تفتقر إلى الرجال والنساء والكفاءات، ولا تعاني من غياب أبنائها عنها حبا في الهجرة أو السفر. الريصاني عانت، لسنوات طويلة، من شيء آخر: من تدبير سياسي جعل الانتخابات موعدا متكررا للصراع، بينما ظلت التنمية مؤجلة إلى أجل غير مسمى.

حزب الاستقلال، ثم حزب الحركة الشعبية، ثم حزب الأصالة والمعاصرة… ثلاثة عناوين حزبية تعاقبت على المشهد المحلي، وتغيرت الوجوه واللافتات والتحالفات، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا تغير في حياة المواطن بالريصاني؟

منذ ثمانينيات القرن الماضي، ما زالت أجزاء واسعة من المنطقة تبدو وكأنها تنتظر قطار التنمية الذي تأخر أكثر مما ينبغي. مدينة يفترض أن تكون قطبا للحياة في منطقتها، تحولت بالنسبة إلى عدد كبير من أبنائها إلى محطة عبور: يسافرون إلى المدن بحثا عن العمل، يقضون أشهرا بعيدا عن أمهاتهم وآبائهم وزوجاتهم وأبنائهم، ثم يعودون في الأعياد والمناسبات، وكأن الحياة الطبيعية أصبحت امتيازا لا يستطيع المواطن بالريصاني الحصول عليه داخل مدينته.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية: كيف يمكن لمدينة أن تبقى عقودا وهي تدفع أبناءها إلى الهجرة من أجل لقمة العيش، ثم يأتي السياسي في كل موسم انتخابي ليطلب من هؤلاء الأبناء أنفسهم ثقتهم وأصواتهم؟

الأخطر من ذلك أن الصراع السياسي كثيرا ما تجاوز حدود المنافسة الديمقراطية الطبيعية، وتحول إلى شد للحبل بين القصور والمكونات المحلية، حتى أصبحت الخلافات الانتخابية والاجتماعية وقودا لصراعات لا يستفيد منها في النهاية إلا من يبحث عن الكرسي. أما المواطن، فيجد نفسه مرة أخرى في الصفوف الأمامية، يدفع ثمن معركة لم يخترها.

والسؤال الذي يجب أن يطرح بصراحة هو: لماذا يصبح أبناء الريصاني خصوما أثناء الانتخابات، ثم يصبح السياسيون المتنافسون أصدقاء وجلساء بعد انتهائها؟

لماذا يدفع الفقير ثمن المعركة، بينما يجلس أصحاب القرار بعدها حول الطاولة نفسها؟

هذه ليست ديمقراطية بالمعنى الذي يحلم به المواطن. الديمقراطية ليست أن تجعل أبناء الحي الواحد يتخاصمون من أجل لائحة انتخابية، ولا أن تحول أبناء القصور إلى جبهات متقابلة، ولا أن تجعل الانتخابات موسما لإعادة إنتاج نفس الصراعات، ثم تنتهي الحكاية بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.

الريصاني لا تحتاج إلى سياسيين يتذكرونها فقط عندما تقترب الانتخابات. تحتاج إلى من يتذكرها عندما لا توجد كاميرات، وعندما لا توجد لافتات، وعندما لا توجد أصوات يمكن جمعها.

تحتاج إلى من يسأل: أين فرص الشغل؟ أين المشاريع المنتجة؟ أين الاستثمار؟ أين البنيات الأساسية؟ أين مستقبل الشباب؟ لماذا يضطر ابن الريصاني إلى مغادرة أسرته نصف سنة أو أكثر حتى يستطيع أن يوفر لها حياة كريمة؟ ولماذا تتحول المنطقة إلى خزان للأصوات وخزان للهجرة في الوقت نفسه؟

لقد آن الأوان لأن نتوقف عن التعامل مع الريصاني باعتبارها ساحة انتخابية.

فالمدينة ليست رقما في صندوق الاقتراع، وأبناؤها ليسوا أوراقا انتخابية، وفقر الناس ليس مادة لتعبئة الناخبين، والانقسامات بين القصور ليست جسورا يعبر فوقها السياسيون نحو الرئاسة.

لقد استعملت السياسة المحلية، على مدى عقود، كثيرا من جراح هذه المنطقة في معاركها، بينما بقيت الجراح نفسها مفتوحة.

واليوم، بعد كل هذه السنوات، يحق للمواطن أن يسأل الأحزاب الثلاثة، وكل من تحمل المسؤولية السياسية والتدبيرية في المنطقة:

ماذا فعلتم لمدينة الريصاني؟

ليس المطلوب خطبا ولا صورا ولا وعودا جديدة.

المطلوب جواب بسيط تقيسه العين قبل الأرقام: ماذا تغير في حياة المواطن؟

فإذا عدت إلى الريصاني بعد ثلاثين سنة، ووجدت أن المواطن ما زال يسافر بحثا عن العمل، وأن الشباب ما زالوا يحلمون بمغادرة المنطقة، وأن الصراعات الانتخابية ما زالت أقوى من المشاريع التنموية، وأن الوعود تتغير بينما الواقع لا يتغير، فهنا لا يعود السؤال: من فاز في الانتخابات؟

بل يصبح السؤال الأهم:

من الذي ربح فعلا طوال هذه العقود، ومن الذي دفع الثمن؟

الريصاني لا تريد أن تكون سلما يصعد عليه السياسيون إلى السلطة، ثم يتركون أبناءها في أسفل السلم ينتظرون الانتخابات المقبلة.

الريصاني تريد شيئا أبسط من كل الشعارات: أن تعيش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى