المغرب

حين تتحول قدسية المكان إلى مادة استهلاكية: عن تطبيع الاستهتار بالأماكن المقدسة

ظهر مقطع ترويجي لأغنية، تؤديه ثلاث شابات، مرفق بإشهار لإحدى شركات كراء السيارات، تم تصويره أمام مسجد محمد السادس بمدينة الناظور. مشهد قد يمر عند البعض باعتباره “عادياً” أو مجرد محتوى ترفيهي عابر، لكنه في العمق يكشف عن منزلق خطير يتجاوز حدود الفن والإبداع، ليطرح سؤالاً مقلقاً حول علاقتنا الجماعية بقدسية الفضاءات الدينية، وكيف يجري تطبيع الاستهتار بها تحت غطاء الحداثة والانتشار الرقمي.

المسجد، في الوعي الجمعي للمغاربة، ليس ديكوراً بصرياً ولا خلفية جذابة للكاميرا، بل فضاء رمزي له مكانته الروحية والأخلاقية، ويمثل أحد آخر الحدود التي ظلت محصنة من الابتذال التجاري والتوظيف الدعائي. احترام المسجد لم يكن يوماً نابعاً فقط من النصوص أو القوانين، بل من عرف اجتماعي راسخ وضمير جماعي يعتبر أن هناك أماكن لا تُستعمل إلا بما يليق بها.

ما حدث أمام مسجد محمد السادس لا يمكن اختزاله في نقاش حول حرية التعبير أو الذوق الفني، لأن جوهر الإشكال لا يتعلق بالمضمون الفني في حد ذاته، بل بالمكان المختار. فالسؤال الحقيقي هو: لماذا يتم اختيار فضاء ديني للرقص والإشهار؟ هل انعدمت الساحات والفضاءات العامة والخاصة؟ أم أن الاستفزاز المقصود أصبح وسيلة سهلة لجذب الانتباه وتحقيق نسب مشاهدة أعلى، ولو كان الثمن هو الدوس على الرمزية الدينية؟

الأخطر من الواقعة نفسها هو محاولة جعلها أمراً عادياً، وكأن المجتمع مطالب بالتأقلم مع كل أشكال التعدي الرمزي باسم “التفتح” أو “مواكبة العصر”. هكذا، وبالتدريج، يتم كسر الحواجز النفسية والأخلاقية، وتحويل ما كان يُعد مرفوضاً بالأمس إلى مشهد مألوف اليوم، تمهيداً لقبوله غداً دون نقاش.

هذا النوع من المحتوى لا يعكس شجاعة فنية ولا جرأة إبداعية، بقدر ما يعكس فراغاً قيمياً وسعياً لتسليع كل شيء، حتى المقدس منه. فحين تصبح المساجد مجرد خلفيات تصوير، فإننا لا نكون أمام حرية، بل أمام تسطيح لمعنى الحرية نفسها، وتحويلها إلى أداة لتبرير الاستهتار.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في فيديو واحد أو حملة إشهارية عابرة، بل في المسار الذي يُراد فرضه: مسار التطبيع مع ازدراء الرموز الدينية، وتفريغها من معناها، حتى يفقد المجتمع حساسيته تجاهها. وعندما نفقد هذا الإحساس، نصحو على واقع لا نعود فيه قادرين على التمييز بين ما هو مباح وما هو مرفوض، بين الحرية والفوضى، وبين الإبداع والإساءة.

احترام الأماكن المقدسة ليس موقفاً محافظاً أو رجعياً، بل هو تعبير عن نضج مجتمعي يدرك أن التعدد والحرية لا يلغيان وجود حدود أخلاقية مشتركة. وحين تُكسر هذه الحدود بصمت أو تبرير، فإن السؤال لم يعد: ماذا صُوّر أمام المسجد؟ بل: أي مجتمع نريد أن نكون؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى