العالمالمغرب

دعم الجزائر لعصابة البوليساريو.. امتداد لتاريخ مفكك وهوية مصطنعة

لم يكن موقف النظام الجزائري من قضية الصحراء المغربية وليد لحظة سياسية طارئة، بل هو امتداد مباشر لتاريخ طويل من التشتت الجغرافي والفراغ الهوياتي، جعل من الجزائر دولة تبحث دوما عن صناعة رمزية خارجية لتبرير وجود داخلي هش. فدعم عصابة البوليساريو ليس سوى وجه جديد لنفس الاستراتيجية القديمة التي تميزت بها السلطة الجزائرية منذ استقلالها الشكلي سنة 1962.

عند العودة إلى تاريخ الجزائر، نجد أنها لم تكن يوما كيانا سياسيا موحدا قبل دخول العثمانيين سنة 1518. فقد كانت المنطقة موزعة بين ثلاث سلطات متنافسة:

الدولة الزيانية في الغرب بعاصمتها تلمسان

الدولة الحفصية في الشرق تحت نفوذ تونس

الاحتلال الإسباني في السواحل مثل وهران وبجاية والمهدية

هذا التفكك الجغرافي والسياسي استمر حتى مع دخول العثمانيين الذين فرضوا نظام إيالة شبه مستقل خاضع رمزيا للباب العالي، لكنه لم يبن دولة مركزية بمفهوم المؤسسات الوطنية. وبعد نهاية الحكم العثماني، دخلت الجزائر في مرحلة استعمار فرنسي استمر 132 سنة، دمر ما تبقى من الهوية المحلية، وفرض نموذجا إداريا فرنسيا جعل الجزائر تابعة لباريس سياسيا واقتصاديا وثقافيا.

وعندما نالت الجزائر استقلالها سنة 1962، لم تكن دولة ذات مؤسسات راسخة أو ذاكرة موحدة، بل كانت تركة استعمارية فارغة، تملأها شرعية تابعة فقط. ومن هنا نشأ النظام الجزائري على فكرة استيراد الرموز، وتصدير الأزمات، وبناء “مشروع وطني” ليس على أساس الوحدة، بل على أساس العداء الخارجي. فكان لا بد من خلق عدو دائم. وهنا ولدت فكرة دعم كيان وهمي في الصحراء المغربية، هو البوليساريو، لتوجيه أنظار الداخل نحو “قضية مصطنعة” تعوض غياب الانتماء الحقيقي، وتمنح النظام مبررا لوجوده.

وفي مقابل هذا التشتت التاريخي، تميز المغرب على امتداد تاريخه بوحدة سلطته ووضوح هويته السياسية. فمنذ تأسيس الدولة المغربية على يد الأدارسة في القرن الثامن الميلادي، تعاقبت سلالات حاكمة حافظت على وحدة الأرض والقرار، وتطورت المؤسسة الملكية كرمز دائم للسيادة والاستقرار. فالمغرب لم يعرف القطيعة السياسية التي عرفتها الجزائر، ولم يحكم من الخارج دون وسيط محلي، بل ظل في قلب التاريخ بصيغة دولة مركزية، ذات حدود معترف بها، ومؤسسات سيادية امتدت من فاس إلى مراكش، ومن الرباط إلى سوس والصحراء.

وهذا الفارق التاريخي هو ما يفسر عمق الأزمة الجزائرية: دولة بدون ماض سياسي موحد، تسعى لإضعاف دولة ضاربة في التاريخ، فقط لأن استمرار وجود المغرب في شكله المستقر يفضح هشاشة النموذج الجزائري.

إن دعم الجزائر للبوليساريو ليس دفاعا عن مبدأ، ولا حرصا على ما تسميه “تقرير المصير”، بل هو إفراز طبيعي لعقدة تاريخية، تختزلها كلمة واحدة: المغرب كان دائما دولة، والجزائر كانت دائما ساحة مفتوحة لغيرها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى