المغرب

حين يكافأ الصمت ويعاقب العمل: الظلم البنيوي الذي يطال رؤساء المصالح بقطاع التعليم


لاول مرة منذ عقود، يخرج رؤساء المصالح ورؤساء الاقسام بقطاع التربية الوطنية من دائرة الصمت الاداري الى واجهة الاحتجاج، ليس بدافع المزايدة النقابية ولا نزوعا الى تعطيل المرفق العمومي، بل لان منسوب الظلم بلغ حدا لم يعد يحتمل. فهذه الفئة التي تشكل العمود الفقري للتدبير اليومي للمنظومة التعليمية، وجدت نفسها، بشكل مفارق، الاكثر تهميشا داخل هرم اداري يفترض فيه الانصاف والتكامل.
رؤساء المصالح ليسوا موظفين عاديين، بل هم حلقة الوصل بين القرار المركزي والتنزيل الميداني، وبين الخطط الاستراتيجية والواقع اليومي للمؤسسات التعليمية. هم من يسهرون على تدبير الموارد البشرية، تنظيم الامتحانات الاشهادية، اعداد الخرائط التربوية، انجاز الاحصاء المدرسي، تتبع الصفقات والمشاريع، ومواكبة برامج الاصلاح المتعاقبة، من البرنامج الاستعجالي الى خارطة الطريق 2022-2026. ورغم ذلك، يطلب منهم القيام بكل هذا بثمن بخس، وتعويضات هزيلة، مؤطرة بمراسيم تعود الى 1976 و1997، وكان الزمن توقف، وكان حجم المسؤوليات لم يتضاعف، وكان ضغط العمل لم يتحول الى استنزاف دائم.
المفارقة الصادمة ان الوزارة نفسها التي ترفع شعار الاصلاح والجودة والحكامة، تكرس في بنيتها الداخلية منطق اللامساواة. فبينما استفادت فئات اخرى من تحيين انظمتها التعويضية، وتوحيد اجورها الجزافية، ورفعت تعويضات المديرين الاقليميين ومديري الاكاديميات الى مستويات عالية، ترك رؤساء المصالح في المنطقة الرمادية: مسؤوليات ثقيلة دون تحفيز، ضغط دائم دون اعتراف، محاسبة صارمة دون حماية مهنية. هذا التفاوت لا يمكن تبريره اداريا ولا اخلاقيا، لانه يضرب في الصميم مبدأ الانصاف الوظيفي.
الظلم هنا ليس فقط ماديا، بل رمزيا ومؤسساتيا. حين يطلب من رئيس مصلحة ان يعمل خارج التوقيت الاداري، وخلال العطل ونهايات الاسبوع، وان يتحمل مسؤولية ملفات حساسة قد تفجر ازمات وطنية عند ادنى خطأ، دون ان يقابل ذلك بتعويض عادل او مسار مهني محفز، فاننا امام نموذج ادارة يعاقب الكفاءة ويكافئ الموقع. وهذا اخطر ما يمكن ان يصيب الادارة العمومية: تحويلها الى فضاء للاحباط بدل ان تكون رافعة للاصلاح.
رفع الشارة الحمراء لم يكن نزوة احتجاجية، بل رسالة سياسية وادارية واضحة: الاصلاح لا ينجز بالخطابات ولا بالمذكرات، بل بتحفيز من ينفذونه على الارض. الاستمرار في تجاهل مطالب هذه الفئة يعني عمليا اضعاف نجاعة التدبير، وتعطيل الاصلاح التربوي من الداخل، لان الادارة المنهكة لا تنتج جودة، والمحبط لا يمكن ان يكون رافعة تغيير.
ان مطلب مراجعة نظام التعويضات، وتحسين ظروف العمل، وتوفير الموارد البشرية، وتفعيل الحركية الادارية، ليس ترفا نقابيا، بل شرطا موضوعيا لحكامة سليمة. ومن يتجاهل ذلك، يتحمل مسؤولية سياسية واخلاقية عن اي تعثر مستقبلي للمنظومة التعليمية.
لقد اشتغل رؤساء المصالح سنوات طويلة بصمت، لكن الصمت حين يقابل بالظلم يتحول الى احتجاج. وما يحدث اليوم ليس ازمة فئة، بل اختبار حقيقي لصدق الدولة في حديثها عن الانصاف، والعدالة الاجرية، وربط المسؤولية بالتحفيز. فاما اصلاح يبدا من قلب الادارة، او استمرار في انتاج اختلالات تهدد كل خطاب اصلاحي بالفشل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى