حين يصبح الأثاث خطابا: ماذا تقول صفقة وزارة التربية عن سياسة الحكومة؟

أثار إقدام وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، في ختام السنة الجارية، على إبرام صفقة لتأثيث مقرها المركزي بالرباط نقاشا واسعا، ليس فقط بسبب مضمونها، بل بسبب توقيتها ودلالاتها الرمزية. فحسب المعطيات الرسمية، رست صفقة اقتناء أثاث مكتبي لفائدة الإدارة المركزية، المرتبطة بطلب العروض رقم 30/MB/2025، على إحدى الشركات بمبلغ يقارب 1,001,760 درهما شامل الرسوم، بعد منافسة شاركت فيها ثماني شركات.
في الظاهر، نحن أمام إجراء إداري قانوني يخضع لمساطر طلب العروض، غير أن قراءة القرار خارج سياقه المالي والاجتماعي تفرغه من معناه الحقيقي. فالصفقة أبرمت في وقت دعت فيه الحكومة نفسها، عبر منشور رسمي لرئيسها، إلى ترشيد النفقات العمومية وضبط الأولويات، وهو ما يجعل الرقم المالي، مهما بدا محدودا في الحسابات الكبرى، محملا بدلالة سياسية لا يمكن تجاهلها.
القضية هنا لا تتعلق بالمبلغ في حد ذاته، بل بالرسالة التي يحملها. فمليون درهم لتأثيث مكاتب مركزية قد لا يثقل ميزانية الدولة، لكنه يثقل صورة الحكومة في أعين فئات مطالبة يوميا بتحمل كلفة الإصلاح، خاصة في قطاع التربية الذي يعرف ضغطا بنيويا على الموارد، واختلالات مزمنة في البنيات والتجهيزات على مستوى المؤسسات التعليمية.
حين تطلب الحكومة من المدرس، ومن الأسرة، ومن التلميذ التكيف مع واقع التقشف، فإن أول اختبار لجدية هذا الخطاب يكون داخل الإدارة المركزية نفسها. هنا، يتحول الأثاث من عنصر وظيفي إلى مؤشر على ترتيب الأولويات، وعلى مدى انسجام الخطاب الحكومي مع الممارسة اليومية.
لا أحد يشكك في حق الإدارة في العمل في ظروف لائقة، لكن السؤال المشروع هو: هل كان هذا التأثيث ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل؟ وهل تعكس كلفة الصفقة سقفا متواضعا ينسجم مع الظرفية، أم أنها تندرج في منطق تدبير اعتيادي لم يواكب التحول المعلن في السياسة المالية للحكومة؟
الإشكال الأعمق أن الوزارة المعنية ليست قطاعا عاديا، بل هي واجهة السياسة التربوية الحكومية، والمسؤولة عن ترسيخ قيم الحكامة والنجاعة وحسن تدبير المال العام لدى الأجيال القادمة. لذلك، فإن أي قرار إنفاقي داخلها يكتسب بعدا مضاعفا، لأنه لا يقاس فقط بجدواه الإدارية، بل بأثره الرمزي والتربوي.
قد تمر هذه الصفقة دون مساءلة مؤسساتية، وقد تكون منسجمة قانونيا مع النصوص الجاري بها العمل، لكنها تطرح سؤالا سياسيا مشروعا حول معنى التقشف وحدوده. ففي زمن الأزمات، لا تحاسب الحكومات فقط على المشاريع الكبرى، بل على التفاصيل الصغيرة، لأنها غالبا ما تكشف الفارق بين ما يقال في البلاغات الرسمية، وما يمارس فعليا داخل المكاتب المغلقة.




