
لم يكن تصريح نجم المنتخب المصري محمد صلاح مجرد مجاملة بروتوكولية عابرة، بل شهادة وازنة من أحد أفضل لاعبي كرة القدم في العالم، لاعب خبر أكبر البطولات والمعسكرات والتنظيمات الكروية في أوروبا وإفريقيا. حين يقول صلاح إن هذا هو “أفضل معسكر خاضه في مسيرته”، وإنه لم يسبق له أن عاش تجربة في كأس أمم إفريقيا بهذا المستوى من الاحترافية، فإن الأمر يتجاوز الانطباع الشخصي إلى اعتراف صريح بجودة التنظيم المغربي وعلو كعبه.
ولم يكن محمد صلاح حالة معزولة. عدد من نجوم المنتخبات الإفريقية، مدربين ولاعبين، عبّروا علنًا عن ارتياحهم للأجواء، وجودة الملاعب، حسن الاستقبال، الانضباط الأمني، وسلاسة التنقل والإقامة. جماهير إفريقية من مختلف الجنسيات بدورها أشادت بالأجواء الاحتفالية، وبالروح الرياضية التي سادت أغلب المباريات، معتبرة أن البطولة المقامة بالمغرب تشكل نموذجًا لما يجب أن تكون عليه كأس إفريقيا للأمم في زمن الاحتراف.
غير أن هذا الإجماع الواسع لم يمنع بروز استثناء واحد، ظل خارج السياق، أداءً وسلوكًا وخطابًا.
فعلى المستوى الرياضي، ظهر المنتخب الجزائري بصورة باهتة، بعيدة عن تطور كرة القدم العالمية، سواء من حيث الأداء داخل الملعب أو من حيث الانضباط التكتيكي والتعامل مع مجريات المنافسة. إخفاق لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكم اختيارات فنية وتنظيمية لم تواكب التحولات الحديثة في كرة القدم الإفريقية.
أما خارج المستطيل الأخضر، فقد سجّلت المدرجات بدورها هذا الاستثناء المؤسف. ففي الوقت الذي تفاعلت فيه الجماهير الإفريقية الأخرى بروح رياضية عالية، واحتفت بالكرة وبالبلد المنظم، شهدت بعض مدرجات أنصار المنتخب الجزائري حالات شغب وفوضى، أفسدت المشهد العام، وخرجت عن الإطار الحضاري الذي طبع البطولة.
والمفارقة أن هذه السلوكيات لم تُسند بأي موقف رسمي رياضي راقٍ، بل رافقها خطاب إنكاري يرفض الاعتراف بالفشل، ويفضّل تحميل المسؤولية لعوامل خارجية، في تناقض صارخ مع مواقف لاعبين كبار، اختاروا الاحتراف والموضوعية والاعتراف بالواقع.
إن نجاح أي بطولة لا يُقاس فقط بنتائج المباريات، بل أيضًا بسلوك المنتخبات وجماهيرها، وبقدرتها على التفاعل الإيجابي مع التنظيم ومع روح المنافسة. والمغرب، بشهادة النجوم والجماهير، نجح في هذا الامتحان. أما من اختار الوقوف خارج هذا الإجماع، فذلك لا يسيء للبطولة ولا للمنظمين، بقدر ما يكشف عن أزمة داخلية عميقة، رياضية وثقافية، تحتاج إلى مراجعة حقيقية بدل الهروب إلى الأمام.




