المغرب

حين تلتحق لندن بتجربة سبقت إليها الرباط: قراءة في الإصلاح الأمني البريطاني والسبق المغربي


أعلنت الحكومة البريطانية عن إحداث ما أسمته «الخدمة الشرطية الوطنية»، في خطوة اعتُبرت أكبر تحول بنيوي في المنظومة الأمنية البريطانية منذ ما يقارب قرنين. ويهدف هذا الجهاز الجديد إلى توحيد الجهود الأمنية في مواجهة الجرائم الخطيرة والمعقدة العابرة للحدود، من قبيل الإرهاب، والجريمة المنظمة، والاحتيال المالي، والاستغلال الرقمي للأطفال، مع ترك الجرائم اليومية للاختصاص المحلي.
ويقوم هذا الإصلاح على تجميع الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة، ووحدات مكافحة الإرهاب، ووحدات الجريمة المنظمة الإقليمية، ضمن هيكل مركزي واحد، يعتمد التكنولوجيا المتقدمة، والتحليل الاستخباراتي، وتبادل المعطيات، في محاولة لتجاوز محدودية المقاربات التقليدية أمام تهديدات جديدة لا تعترف بالجغرافيا أو الحدود.
غير أن اللافت في هذا التحول البريطاني، هو أنه يعكس، بعد أكثر من عقد من الزمن، مقاربة أمنية كان المغرب قد تبناها مبكرًا منذ سنة 2015، من خلال إحداث المكتب المركزي للأبحاث القضائية (البسيج)، الذي شكّل منذ تأسيسه ذراعًا استخباراتيًا وعملياتيًا متخصصًا في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة.
ففي الوقت الذي كانت فيه العديد من الدول الغربية لا تزال تُدبّر هذه التهديدات بشكل مشتت بين أجهزة متعددة، اختار المغرب منذ البداية منطق التوحيد، والاشتغال الاستخباراتي الاستباقي، وربط التحليل المعلومي بالفعل الميداني السريع، وهو ما مكّن “البسيج” من تحقيق نتائج ملموسة، حظيت بإشادة إقليمية ودولية.
وتؤكد التجربة المغربية أن فعالية الأمن الحديث لا تقوم على تضخيم الهياكل أو تغيير المسميات، بل على وضوح الرؤية، وسرعة اتخاذ القرار، والتكامل بين مختلف المتدخلين، وهو ما يظهر اليوم في توجه بريطانيا نحو نموذج مركزي مشابه، بعد أن أظهرت التحديات الأمنية المعاصرة حدود النماذج التقليدية.
ويرى متابعون أن المقارنة بين التجربتين لا تهدف إلى المفاضلة الشكلية، بل تُبرز فارق التوقيت والجرأة في الانتقال إلى التنفيذ؛ إذ اختار المغرب الاستباق في لحظة إقليمية ودولية معقدة، بينما تلتحق اليوم دول كبرى بهذا المنطق بعد تراكم التجارب والدروس.
ويخلص هذا التحول إلى حقيقة أساسية مفادها أن الأمن القومي لم يعد رهين ردود الفعل، بل أصبح نتاجًا لعمل مؤسساتي مندمج، قائم على الاستباق والتنسيق والجاهزية الدائمة. وفي هذا السياق، يبرز النموذج المغربي كحالة دالة على أن الرؤية المبكرة، حين تُقرن بالفعل، تصنع الفارق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى