المغرب

حين تزدهر الأرقام… وتذبل القدرة الشرائية


يبدو أن الموسم الفلاحي هذه السنة قرر أن يكون “نموذجيًا” على الورق: أمطار وفيرة، سدود ممتلئة، زيتون قياسي، حوامض مزدهرة، وتمور استعادت عافيتها. لوحة كاملة من التفاؤل، رسمها وزير الفلاحة بألوان زاهية، توحي بأننا على أعتاب وفرة تُعيد التوازن إلى الأسواق وتخفف العبء عن المواطن.
لكن، في رحلة قصيرة إلى السوق، تتبخر هذه اللوحة بسرعة.
هناك، لا أحد يسأل عن نسبة ملء السدود، ولا عن المعدل السنوي للتساقطات. السؤال الوحيد الذي يهم هو: لماذا ما زالت الأسعار مرتفعة؟ كيف يمكن لموسم “استثنائي” أن يتعايش مع طماطم لا تزال تنافس الفواكه في ثمنها، ولحوم أصبحت أقرب إلى الكماليات منها إلى المواد الأساسية؟
المفارقة هنا ليست بسيطة، بل تكاد تكون فاضحة:
كلما تحسنت المؤشرات الفلاحية في الخطاب الرسمي، ازداد إحساس المواطن بأن شيئًا ما لا يُقال.
إذا كانت الأمطار قد أنعشت الإنتاج، فمن المفترض منطقيًا أن تنخفض الأسعار، أو على الأقل أن تستقر. لكن ما يحدث هو العكس أو شبه العكس. وهذا يدفع إلى طرح سؤال جوهري: هل المشكل في الإنتاج أصلًا، أم في ما يحدث بعد الإنتاج؟
الحقيقة التي يتم القفز عليها في كثير من الأحيان هي أن الفلاحة ليست فقط حقولًا ومطرًا، بل أيضًا سلسلة توزيع معقدة، تتدخل فيها حلقات متعددة: وسطاء، مضاربون، أسواق جملة غير منظمة بما يكفي، وتفاوت صارخ في القدرة على الوصول إلى السوق بين الفلاح الصغير والكبير.
في هذه السلسلة، قد يربح الجميع… إلا المستهلك.
الفلاح الصغير لا يبيع بثمن مرتفع كما يُعتقد، بل كثيرًا ما يشتكي من ضعف العائد مقارنة بتكاليف الإنتاج. وفي المقابل، يصل المنتوج إلى المستهلك مضاعف السعر. بين الطرفين، تختفي الحقيقة، وتبقى الأرقام الرسمية تتحدث عن “موسم جيد”.
أما اللحوم، فهي قصة أخرى. الحديث عن تحسن المراعي لا يعني أن القطيع استعاد عافيته بالكامل. سنوات الجفاف السابقة تركت أثرًا عميقًا، وإعادة بناء القطيع تحتاج وقتًا واستثمارات، لا مجرد موسم ممطر. لذلك، من الطبيعي أن تبقى الأسعار مرتفعة، لكن غير الطبيعي هو تقديم صورة توحي بأن الأزمة في طريقها إلى الزوال السريع.
المشكلة إذن ليست في أن الوزير قدّم أرقامًا إيجابية، بل في أن هذه الأرقام تُقدَّم وكأنها تعكس الواقع الكامل. والحال أن الواقع أكثر تعقيدًا، وأقل تفاؤلًا.
المواطن لا يعيش في “المعدل الوطني”، بل في السوق اليومية. لا يشتري “نسبة الملء”، بل يشتري الخضر والفواكه واللحم بثمن محدد. وإذا لم يشعر بانعكاس هذا “الموسم الجيد” على قدرته الشرائية، فإن كل هذه الأرقام تفقد معناها.
في النهاية، لا أحد يرفض التفاؤل، ولا أحد ينكر أهمية موسم فلاحي جيد. لكن بين التفاؤل والتسويق، خيط رفيع. وعندما يصبح الخطاب الرسمي أقرب إلى تلميع الصورة منه إلى تفسير الواقع، فإن الثقة نفسها تصبح على المحك.
لأن السؤال البسيط الذي يطرحه المواطن سيبقى معلقًا:
إذا كانت السنة فلاحية بامتياز… فلماذا لا يبدو ذلك في جيبي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى