حزب منيب اليساري… مولود سياسي خارج “دفتر الحالة المدنية”

في مشهد سياسي لا ينقصه العبث بقدر ما ينقصه الصدق، وجد الحزب الاشتراكي الموحد نفسه أمام “مولود” جديد، خرج إلى العلن في هيئة ندوة صحفية دعت إليها جهة تحمل اسما طويلا كبيانات المؤتمرات: “التنسيقية الوطنية لتيار اليسار الجديد المتجدد”. غير أن المفارقة ليست في الاسم، بل في رد فعل “العائلة السياسية” التي سارعت إلى إصدار بلاغ ينفي النسب، ويعلن –بكل حزم تنظيمي– أن هذا المولود لا يمت لها بصلة.
البلاغ، في لغته الصارمة، بدا وكأنه شهادة نفي أبوة سياسية، أو لنقل بلغة ساخرة: “الولد ليس للفراش… لأن الفراش هنا يساري، لا ينجب خارج القانون الداخلي”. وهنا تبدأ الحكاية في التحول من خلاف تنظيمي إلى قصة أقرب إلى دراما عائلية بطابع تقدمي، حيث تختلط الشعارات الكبرى عن الحرية والديمقراطية بأسئلة صغيرة لكنها محرجة: من المسؤول عن هذا “الإنجاب السياسي غير المعلن”؟
في القاموس الفقهي، يقال “الولد للفراش”، لكن يبدو أن هذا المبدأ لا يسري إلا على الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، حيث النسب واضح، والشرعية محسومة، والبيت مضبوط بقواعده. أما في بيت اليسار، حيث التقدمية والحرية والانفتاح، فالأمر أكثر تعقيدا: علاقات “رفاقية” تتحول فجأة إلى علاقات “غير رفاقية”، ومبادرات داخلية تخرج إلى العلن دون إذن “العائلة”، فتقابل بالنفي بدل الاحتضان.
الطريف في القصة أن “العقيقة السياسية” ستقام على مرأى ومسمع من وسائل الإعلام، في ندوة صحفية مفتوحة، وكأن المولود يصرخ: “أنا هنا”، بينما الأب المفترض يرد من بعيد: “لا علاقة لي بالأمر”. لا أبوة، لا أمومة، فقط تنظيم يرفع لوائحه كوثيقة إثبات، ويعتبر أن كل ما ولد خارجها يظل “غير شرعي”، حتى لو حمل نفس الملامح، ونفس اللغة، ونفس الادعاء بالانتماء إلى اليسار.
لكن، هل يمكن فعلا لحزب يرفع شعار التقدمية أن يتبرأ من “نتاجه” بهذه السهولة؟ أليست التعددية التي يتغنى بها اليسار هي نفسها التي تنتج هذه “التيارات”؟ أم أن التقدمية تصبح انتقائية حين تقترب من مراكز القرار داخل الحزب؟
ثم ماذا عن “العلاقة” التي أفرزت هذا المولود؟ هل هي فعلا علاقة سرية خارج أعراف العائلة الحزبية، أم أنها مجرد تعبير عن حيوية داخلية لم تجد طريقها إلى القنوات الرسمية؟ هنا تحديدا يظهر التناقض: حزب يتحدث عن تحرر المرأة وحقها في الاختيار، وعن كسر القيود التقليدية، لكنه في الممارسة التنظيمية يبدو أكثر محافظة من “أشد المحافظين”، حين يتعلق الأمر بضبط البيت الداخلي.
السخرية، في هذا المشهد، ليست مجرد ترف لغوي، بل أداة كشف. فحين يتحول حزب يساري إلى “حارس نسب سياسي”، يحدد من يحق له الانتماء ومن ينفى خارج السجل، يصبح السؤال مشروعا: هل نحن أمام تنظيم تقدمي أم أمام بنية تقليدية بواجهة حداثية؟
وفي النهاية، يبقى هذا “المولود السياسي” واقفا بين عالمين: عالم يعترف به كصوت جديد، وعالم يصر على اعتباره “غلطة تنظيمية”. وبين هذا وذاك، يواصل اليسار المغربي تقديم واحدة من أطرف مفارقاته: يضحك من السلطة حين تضيق بالاختلاف… ثم يضيق به داخل بيته.




