المغرب

تقاعد أكثر من 70 ألف موظف بالمغرب.. هل تستطيع الإدارة تعويض الخصاص في القطاعات الحيوية؟

تستعد الإدارة المغربية لمواجهة تحدي إحالة حوالي 70 ألفا و266 موظفا مدنيا على التقاعد خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2030، وفق تقرير الموارد البشرية المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027. ولا يتعلق الأمر بمجرد أرقام إدارية، بل بتحول يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل المرافق العمومية وقدرتها على الحفاظ على جودة خدماتها في ظل تزايد الحاجيات الاجتماعية.

ويبدو قطاع التربية الوطنية الأكثر تأثرا بهذا الوضع، مع توقع إحالة 28 ألفا و12 موظفا على التقاعد، يليه قطاع الداخلية بـ15 ألفا و945 موظفا، ثم الصحة والتعليم العالي. وهي قطاعات ترتبط خدماتها بشكل مباشر بالحياة اليومية للمواطنين، ما يجعل تدبير مرحلة المغادرة المهنية مسألة تتجاوز التعويض العددي للمناصب الشاغرة إلى ضمان استمرارية المرفق العمومي وفعاليته.

وتزداد أهمية هذه الأرقام عند ربطها بمعطى آخر أورده التقرير، يتمثل في كون الإحالات على التقاعد شكلت أكثر من 81 في المائة من عمليات حذف المناصب المالية خلال الفترة الممتدة بين 2016 و2026. كما استحوذ قطاع التربية الوطنية وحده على 61,9 في المائة من مجموع المناصب المحذوفة، وهو ما يفتح النقاش حول مدى التناسب بين الحاجيات الفعلية للقطاعات العمومية والسياسة المعتمدة في تدبير المناصب المالية.

ففي قطاع التعليم، لا يقاس الخصاص فقط بعدد الموظفين المغادرين، بل أيضا بتوزيع الأطر بين المؤسسات والمناطق، وبالحاجة إلى مدرسين وإداريين وأطر تربوية قادرة على مواكبة التحولات التي يعرفها النظام التعليمي. والأمر نفسه ينطبق على الصحة، حيث يرتبط توفر الموارد البشرية بإمكانية الولوج إلى العلاج وظروف استقبال المرضى، بينما تحتاج الإدارة الترابية إلى موارد كافية لمواكبة التوسع العمراني وتزايد انتظارات المواطنين.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد المحالين على التقاعد وحده، وإنما في طبيعة الاختيارات التي ستعتمدها الدولة لتعويض المغادرين وتوزيع الموارد البشرية وفق الأولويات. فحذف المناصب المالية التي يغادرها الموظفون لا يعني بالضرورة أن حاجيات المرفق العمومي قد انتهت، كما أن إحداث مناصب جديدة لا يحقق الغاية المطلوبة ما لم يواكبه تخطيط دقيق يراعي الخصاص الفعلي والتوزيع المجالي والتخصصات المطلوبة.

إن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من التدبير المرتبط بالتعويض عن المغادرة إلى تخطيط استباقي للموارد البشرية، يستشرف حاجيات كل قطاع على المدى المتوسط، ويضمن نقل الخبرات بين الأجيال المهنية، مع تعزيز التوظيف حيثما تفرضه الضرورة. فنجاح الإصلاح الإداري لا يقاس فقط بضبط كتلة الأجور أو تقليص عدد المناصب، بل بقدرة الدولة على تقديم خدمات عمومية تستجيب لانتظارات المواطنين.

وبين موجة التقاعد المرتقبة وسياسة تدبير المناصب المالية، يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت الإدارة المغربية ستتمكن من تحويل هذا التحول الديمغرافي والمهني إلى فرصة لتجديد الكفاءات وتحديث المرافق، أم أن استمرار الخصاص في بعض القطاعات سيجعل المواطن يتحمل كلفة اختلال التوازن بين الموارد البشرية والحاجيات المتزايدة للخدمات العمومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى