المغرب

تغيرات الخريطة السياسية العالمية وموقع المغرب داخلها: قراءة في الرؤية الملكية بين التاريخ والاستشراف


يشهد العالم في العقود الأخيرة تحولات عميقة تمس جوهر النظام الدولي، سواء على مستوى موازين القوى، أو أنماط التحالفات، أو طبيعة الصراعات. لم تعد الخريطة السياسية العالمية ثابتة أو محكومة بالثنائيات التقليدية، بل أصبحت فضاءً مفتوحًا لإعادة التشكّل، حيث تتقدم الدول التي تمتلك وضوح الرؤية، ومرونة القرار، والقدرة على قراءة الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون.
في هذا السياق، يبرز موقع المغرب داخل هذه التحولات باعتباره نتيجة اختيار استراتيجي واعٍ، لا وليد الصدفة ولا نتاج ردود أفعال ظرفية. وهو اختيار ارتبط ارتباطًا وثيقًا برؤية الملك محمد السادس، التي لا يمكن فهمها إلا في إطار قراءة تاريخية عميقة، واستشراف عقلاني لمستقبل العالم. إنها رؤية لا تصدر عن “ملك عادي”، بل عن فاعل سياسي يدرك أن الدولة، لكي تكون قوية، يجب أن تتحرك داخل التاريخ لا خارجه، وأن تفهم منطق القوة قبل أن ترفع شعاراتها.
لقد انطلقت هذه الرؤية من قراءة دقيقة للواقع الدولي، حيث لم يعد ممكنا الرهان على الاصطفافات الجامدة أو الخطابات الإيديولوجية المغلقة. ويتجلى ذلك بوضوح في الاستراتيجية التي اختارها المغرب، سواء في نهجه السياسي أو الاقتصادي أو الدبلوماسي. فالدولة المغربية لم تنسق خطواتها بناءً على العاطفة أو رد الفعل، بل على حسابات دقيقة للمصلحة الوطنية في عالم تحكمه البراغماتية وتوازنات المصالح.
إن تاريخ الإمبراطوريات والدول الكبرى يعلمنا أن الصعود لم يكن يومًا نتيجة مواقف أخلاقية مجردة، بل حصيلة مفاوضات معقدة، وتسويات صعبة، وتحالفات أُبرمت أحيانًا مع الأصدقاء، وأحيانًا مع الخصوم، بل وحتى مع الأعداء. لذلك، فإن قراءة الخطوات السياسية للمملكة المغربية لا يمكن أن تكون سليمة إلا إذا وُضعت ضمن هذا السياق التاريخي العام لتكوّن الدول الكبرى، وضمن فهم علمي للتاريخ، لا قراءة عاطفية أو لحظية للأحداث.
وفي هذا الإطار، يمكن استحضار مثال التجربة التركية، التي تم الترويج لها طويلاً كنموذج صاعد، دون أن تتوقف كثير من القراءات عند شبكة تحالفاتها المعقدة، ولا عند علاقاتها التي فُتحت، في الغالب، مع أطراف كانت تُقدَّم سابقًا كأعداء استراتيجيين. معظم تلك التفاهمات تمت تحت الطاولة، في صمت، ووفق منطق المصلحة البحتة. وهنا يظهر الفرق الجوهري مع المغرب، الذي اختار أن يلعب، في الغالب، بأوراقه فوق الطاولة، وبقدر كبير من الوضوح السياسي، حتى وإن كلّفه ذلك انتقادات ظرفية أو سوء فهم آني.
إن العودة إلى التاريخ، ودراسته بموضوعية، تكشف لنا أن الإمبراطوريات الكبرى عقدت تحالفاتها الاقتصادية والعسكرية في لحظات القوة كما في لحظات الضعف. فالتاريخ لا يُدار بمنطق الثبات، بل بمنطق الحركة. والتراجع خطوة إلى الوراء من أجل التقدم بخطوتين إلى الأمام لا يُعد خطيئة في ميدان السياسة، بل قد يكون عين الحكمة. كما أن خوض حرب مع معرفة مسبقة بالخسارة ضرب من الجنون، وفي المقابل، فإن تفويت لحظة حسم مع إدراك إمكانية الانتصار يُعد نوعًا من الحمق السياسي.
وتاريخ الدول الإسلامية، عبر تعاقبها، يقدم دروسًا واضحة في هذا المجال؛ إذ يُظهر كيف قبلت بالتنازل في لحظات ضعفها، وكيف بسطت نفوذها وفرضت سياساتها عندما امتلكت عناصر القوة. لم يكن التاريخ يومًا خطًا مستقيمًا، بل مسارًا متعرجًا تحكمه موازين القوى وتغير الظروف.
شاء من شاء وأبى من أبى، فإن الرؤية الملكية للمغرب تحمل من العلمية والبراغماتية ما يكفي لتبرهن على سدادها. فهي رؤية لا تُبنى على ردود الأفعال، ولا على البحث عن تصفيق آني، بل على بناء قوة هادئة ومتراكمة، تعرف متى تفاوض، ومتى تصمد، ومتى تُعيد ترتيب أوراقها.
لقد اقتحم الملك محمد السادس ميادين ظلت حكرًا على قوى دولية محددة لعقود طويلة، سواء في المجال الاقتصادي، أو الدبلوماسي، أو الأمني، أو حتى في القارة الإفريقية التي أعاد المغرب تموقعه داخلها بعمق وفعالية. ولم يعد ممكنًا اليوم إخفاء اسم المغرب أو تجاهل تأثيره في المعادلات الإقليمية والدولية، لأن حضوره لم يعد خطابًا، بل أصبح واقعًا تفرضه الشراكات، والاستثمارات، والمبادرات، والوساطات.
إن موقع المغرب في الخريطة السياسية العالمية الجديدة ليس موقع دولة تبحث عن الاعتراف، بل موقع دولة تفاوض من موقع الندّية، وتبني قوتها بصبر استراتيجي، وتفهم أن التاريخ لا يرحم الدول التي تخلط بين الأخلاق والسياسة، ولا يكافئ إلا من يملك وضوح الرؤية، وجرأة القرار، وذكاء الحركة داخل عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى