
أثار القرار الأممي الأخير الذي رسّخ مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحلّ واقعي وحيد لقضية الصحراء المغربية، ارتباكاً واضحاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية، التي وجدت نفسها أمام تحوّل استراتيجي كبير في ميزان القوى الإقليمي لصالح المغرب.
ففي الوقت الذي رحّبت فيه عواصم كبرى بهذا القرار، صدرت عن بعض الصحف الإسبانية عناوين مثيرة للجدل من قبيل:
“وماذا لو قرر المغرب غزو سبتة ومليلية؟”
سؤال يكشف حجم القلق الإسباني من صعود المغرب كقوة إقليمية صاعدة، ومن تحوّل موقعه في شمال إفريقيا من دولة “جارٍ يمكن تدبيره” إلى فاعل إقليمي مستقل ومؤثر يفرض إيقاعه في ملفات الأمن والهجرة والطاقة والدفاع.
الصحافة الإسبانية، التي لا تزال أسيرة نظرة استعمارية قديمة، تقرأ النجاحات الدبلوماسية المغربية بعين الريبة لا بعين الشراكة، متناسية أن الرباط اليوم تتحرك وفق رؤية استراتيجية واضحة تستند إلى الشرعية الدولية، وإلى ثقة متزايدة من شركائها في أوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
والحقيقة أن السؤال الإسباني لا يعكس خوفاً من “غزو” عسكري بقدر ما يعكس خوفاً من غزو رمزي واقتصادي وثقافي؛ فالمغرب اليوم لم يعد ذلك البلد الذي يُدار من الخارج، بل أصبح طرفاً مقرراً في المعادلات الإقليمية، يمتلك أوراق الضغط والتوازن.
ما تجهله بعض الأقلام الإسبانية هو أن قضية الصحراء ليست نهاية الطريق بل بدايته؛ فاستكمال الوحدة الترابية للمملكة يشمل بطبيعة الحال إعادة النقاش التاريخي حول سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، لكن ضمن إطار السيادة الوطنية والمطالبة المشروعة، وليس بمنطق الحرب كما تحاول بعض الصحف الإسبانية الإيحاء به لتغذية المخاوف الداخلية.
إن هذا الهلع الإعلامي الإسباني يعكس في العمق شعوراً بالهزيمة الدبلوماسية أمام نجاح المغرب في حشد الدعم الدولي لموقفه.
فبينما كانت مدريد تراهن على الغموض، جاء قرار مجلس الأمن الأخير ليحسم النقاش لصالح المغرب، ويؤكد أن مرحلة الابتزاز والوصاية قد انتهت.
اليوم، المغرب لا يحتاج إلى “غزو” سبتة ومليلية بالسلاح،
بل هو “يغزو” أوروبا بالثقة، بالاستقرار، وبالتحالفات الاستراتيجية الجديدة التي باتت تضعه في موقع الندّ لا التابع.
ويبقى السؤال الحقيقي:
هل ستتوقف بعض وسائل الإعلام الإسبانية عن العيش في “ظل الإمبراطورية المفقودة”، أم ستستمر في صناعة الأوهام كلما انتصر المغرب دبلوماسياً؟




