المغرب

الإعلام المغربي… حين يتكلم كثيرا ولا يقول ما يكفي


في المغرب، يبدو الإعلام نشيطًا إلى درجة تُوحي بأن كل شيء يُقال، كل شيء يُغطى، وكل حدث يجد طريقه إلى العناوين، لكن هذا الإحساس بالحركية يخفي مفارقة أكثر عمقًا، وهي أن كثرة الكلام لا تعني بالضرورة حضور المعنى، وأن تدفق الأخبار لا يعني بالضرورة أن الحقيقة وصلت كاملة، بل ربما وصلت مجزأة، مخففة، أو مُعاد ترتيبها بطريقة تجعلها قابلة للاستهلاك السريع دون أن تُقلق أو تُربك أو تطرح الأسئلة التي يجب أن تُطرح، وهنا لا نتحدث عن كذب مباشر، بل عن شيء أكثر تعقيدًا وهدوءًا: طريقة تقديم الواقع بحيث يبدو مفهومًا، بينما هو في الحقيقة مبتور من سياقه.
الإعلام لا يحتاج اليوم إلى أن يخفي الأحداث حتى يؤثر، يكفيه أن يحدد زاوية النظر، أن يقرر ما الذي يستحق الواجهة وما الذي يمكن أن يُترك في الهامش، ما الذي يُعاد تكراره حتى يصبح مألوفًا، وما الذي يُمرر بسرعة حتى يُنسى، وبهذا المعنى، فإن السلطة الحقيقية للإعلام ليست في ما يقوله، بل في ما يختار ألا يتوقف عنده طويلًا، لأن القضايا في المغرب لا تختفي حين تُحل، بل تختفي حين يتوقف الحديث عنها، حين تُستبدل بقضية جديدة، أكثر جاذبية، أكثر قابلية للنقر، أكثر قدرة على ملء الفراغ اليومي للأخبار.
المثير أن هذا النمط لا يخلق جهلًا مباشرًا، بل يخلق نوعًا من المعرفة السطحية، حيث يعرف المواطن عناوين كثيرة دون أن يمتلك فهمًا عميقًا لأي منها، يتابع كل شيء دون أن يحيط بأي شيء، يشعر بأنه مطلع، لكنه في الواقع محاط بمعلومات غير مكتملة، وهذا أخطر من غياب المعلومة، لأن الإحساس بالمعرفة يمنع طرح الأسئلة، ويجعل القبول بالنسخة الجاهزة من الواقع أمرًا سهلًا ومريحًا، حتى لو كانت تلك النسخة لا تشبه الحياة اليومية إلا جزئيًا.
في هذا السياق، لا يعمل الإعلام فقط كناقل، بل كصانع إيقاع، يحدد سرعة الأحداث في وعي الناس، يسرّع ما يريد أن يمر بسرعة، ويبطئ ما يريد أن يُرسخ، يخلق موجات من الاهتمام المؤقت، ثم يسحبها بهدوء، دون أن يترك أثرًا طويل المدى، وبهذا الشكل، تتحول القضايا من مشاكل تحتاج إلى متابعة إلى لحظات إعلامية عابرة، تُستهلك كما تُستهلك أي مادة أخرى، ثم تُنسى، وكأنها لم تكن يومًا جزءًا من واقع مستمر.
وراء هذا الأسلوب، لا توجد دائمًا نية سيئة، بل منظومة معقدة تحكمها اعتبارات متعددة، من ضغط التمويل والإعلانات، إلى سباق السرعة، إلى منطق “الترند” الذي يفرض نفسه بقوة، حيث يصبح السؤال الأساسي ليس ما هو المهم، بل ما الذي سيُقرأ أكثر، ما الذي سيُشارك أكثر، ما الذي سيجلب الانتباه في زمن قصير، وهنا يبدأ التحول الخطير، حيث تتحول المعلومة من وسيلة للفهم إلى منتج يخضع لمنطق العرض والطلب، يفقد عمقه تدريجيًا، ويُعاد تشكيله ليتناسب مع الاستهلاك السريع.
لكن التحول الأكبر لا يحدث داخل غرف التحرير فقط، بل في علاقة المواطن بالإعلام، فالمتلقي لم يعد كما كان، لم يعد يعتمد على مصدر واحد، بل أصبح يقارن، يشاهد، يسمع، ويكتشف بنفسه الفجوة بين ما يُقال وما يُعاش، وهذه الفجوة لا تولد دائمًا احتجاجًا، بل تُنتج شيئًا أكثر صمتًا: الشك، وحين يبدأ الشك، لا يتوقف عند وسيلة إعلامية بعينها، بل يمتد ليشمل كل شيء، الخبر والتحليل، الحقيقة والزيف، إلى درجة يصبح فيها التمييز نفسه عملية مرهقة.
وهنا ندخل مرحلة أخطر، حيث لا يكون المشكل في نقص المعلومات، بل في تضخمها دون معيار، حيث يصبح كل شيء قابلًا للتصديق، وكل شيء قابلًا للتشكيك، وحينها يفقد الإعلام دوره الأساسي، لا لأنه غائب، بل لأنه لم يعد المرجع، بل مجرد صوت ضمن ضجيج أكبر، ينافس على الانتباه بدل أن يقود الفهم، ويبحث عن النقرات بدل أن يبني الثقة.
المفارقة أن الإعلام، الذي يُفترض أن يكون سلطة رقابية، يجد نفسه أحيانًا محاصرًا بين حدود غير مكتوبة، يعرفها الجميع دون أن تُعلن، يقترب منها دون أن يتجاوزها، يلمح دون أن يصرح، يطرح الأسئلة دون أن يذهب بها إلى نهايتها، وفي هذا التوازن الهش، تضيع أشياء كثيرة، ليس لأن أحدًا منع قولها، بل لأن الظروف لم تسمح بأن تُقال كاملة.
في النهاية، لا يحتاج المغرب إلى إعلام أكثر عددًا، بل إلى إعلام يمتلك القدرة على الاستمرار في السؤال، على متابعة القضايا حتى بعد أن تختفي من العناوين، على مقاومة الإغراء السهل للسطحية، وعلى استعادة المعنى في زمن السرعة، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يُمنع الكلام، بل أن يتكاثر إلى درجة يفقد فيها قيمته، وأن يُقال كل شيء تقريبًا، دون أن يُقال ما يكفي لفهم ما يحدث فعلًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى