المغرب

حين يتحول بخاخ الأنف من حل مؤقت إلى عبء دائم


يبدو بخاخ الأنف، في لحظات الزكام وانسداد التنفس، كمنقذ سريع يعيد للأنف وظيفته الطبيعية خلال ثوان. غير أن هذا الحل السهل يخفي وراءه مسارا صحيا معقدا، يبدأ بالاستعمال العابر وينتهي أحيانا بعلاقة اعتماد يصعب فكها دون تدخل واع ومدروس.
المشكلة لا تكمن في الدواء في حد ذاته، بل في وهم السيطرة الذي يمنحه للمستخدم. فالشعور الفوري بانفراج التنفس يدفع الكثيرين إلى تكرار الاستعمال دون إدراك أن الغشاء المخاطي للأنف لا ينسى بسهولة. مع الوقت، يتوقف عن الاستجابة الطبيعية، ويصبح فتح مجرى التنفس مشروطا بجرعة جديدة من البخاخ، لا بالجسم نفسه.
خبراء الصيدلة يلفتون الانتباه إلى أن الأنف، باعتباره خط الدفاع الأول للجهاز التنفسي، يعتمد على توازن دقيق بين الرطوبة وتدفق الدم. بخاخات إزالة الاحتقان تخل بهذا التوازن عبر تضييق الأوعية الدموية بشكل متكرر، ما يؤدي إلى إنهاك الغشاء المخاطي وجعله أكثر هشاشة وأقل قدرة على أداء دوره الوقائي. والنتيجة ليست فقط انسدادا مزمنا، بل بيئة مثالية للنزيف والالتهابات.
الأخطر في هذا النوع من الاعتماد أنه يتسلل بهدوء. لا يشعر المستخدم بأنه وقع في مشكلة إلا حين يحاول التوقف، فيفاجأ بأن الأنف يرفض التنفس طبيعيا. هنا يتحول البخاخ من وسيلة علاج إلى ضرورة يومية، ترافق الشخص في جيبه أو حقيبته، وتفرض إيقاعها على حياته.
في المقابل، لا يعني الخروج من هذا الوضع حرمان الجسد فجأة مما اعتاد عليه. المقاربة الآمنة، كما يشير مختصون، تقوم على التدرج لا القطيعة. تخفيف التركيز، تقليص عدد المرات، ثم تعويض البخاخات الدوائية بمحاليل مرطبة طبيعية، كلها خطوات تسمح للأنف باستعادة توازنه دون صدمة.
القضية في جوهرها ليست طبية فقط، بل ثقافة استعمال. فالتعامل مع الأدوية السريعة المفعول بعقلية الحل الدائم يفتح الباب أمام مشكلات لا تقل خطورة عن المرض الأصلي. بخاخ الأنف قد يكون مفيدا، لكن حين يفقد المستخدم وعيه بحدوده، يصبح التنفس نفسه رهينة عبوة صغيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى