مديحة خيير وملف 2004.. أسئلة لا تجيب عنها لا الاتهامات ولا لغة الصمت

لم يكد تعيين مديحة خيير، عن حزب الاستقلال، وزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل في الحكومة الجديدة يمر، حتى عادت إلى الواجهة وثيقة طبية منسوبة إليها، تعود إلى سنة 2004، بالتزامن مع تداول روايات تربطها بواقعة قديمة قيل إنها تتعلق بشبهات نصب واحتيال بواسطة شيكات مرتبطة بشراء الذهب. وبين الوثيقة المتداولة والروايات المصاحبة لها، وجد الرأي العام نفسه أمام ملف تداخلت فيه الأسئلة السياسية والقضائية مع المعطيات الشخصية، من دون أن تتضح بعد جميع حلقاته.
لسنا أمام محكمة لإصدار الأحكام، ولا أمام منصة لتوزيع صكوك البراءة والإدانة. نحن أمام نقاش يقتضي التمييز بين ما ثبت، وما يروج، وما يحتاج إلى تحقيق وتوضيح. فخطورة الاتهامات المتداولة لا تمنحها صفة الحقيقة، كما أن قدم الوقائع المفترضة لا يجعلها، تلقائيا، غير جديرة بالبحث إذا كانت هناك معطيات موثوقة تتعلق بمسار قضائي سابق.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال أساسي: ما حقيقة الوثيقة التي يجري تداولها؟ هل ثبتت صحتها ومصدرها، وما السياق الذي صدرت فيه؟ وهل توجد وثائق قضائية رسمية يمكن الرجوع إليها لتحديد طبيعة القضية التي يجري ربطها بها، ومآلها النهائي، وما إذا كانت قد انتهت إلى متابعة أو حكم أو حفظ؟ هذه أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالاعتماد على صور متداولة أو روايات متناقلة، بل تحتاج إلى وثائق أصلية ومعطيات دقيقة، وإلى احترام حق جميع الأطراف في عرض روايتها.
وفي المقابل، فإن الحديث عن شهادة طبية قديمة يتضمن معطيات صحية لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للتشهير أو إلى مبرر للتشكيك في الكفاءة السياسية والمهنية لشخص بعينه. فالحالة الصحية، مهما كان موضوعها، لا تشكل وحدها دليلا على ارتكاب مخالفة أو على عدم الأهلية لتحمل المسؤولية. وما يستحق التحقق، إن وجدت بشأنه أدلة، هو حقيقة الوقائع المنسوبة إلى المعنية بالأمر ومآلها القانوني، لا تحويل المعطيات الطبية إلى مادة للتنمر أو الإدانة الاجتماعية.
غير أن النقاش لا ينتهي عند هذا الحد، لأن مديحة خيير لم تظهر في الحياة العامة لأول مرة مع تعيينها الوزاري. فقد تولت، وفق ما هو متداول بشأن مسارها المهني والسياسي، مسؤوليات مرتبطة بقطاع الطيران، وخاضت تجربة برلمانية، كما راكمت حضورا داخل حزب الاستقلال. وهنا يطرح سؤال مشروع: إذا كانت هناك قضية قديمة موثقة ترتبط بمسار قضائي، فما الذي كان معروفا عنها خلال السنوات التي تولت فيها تلك المسؤوليات؟ وهل سبق أن أثيرت بصورة موثقة، أم أن الأمر يتعلق بوثيقة لم تظهر إلى التداول الواسع إلا بعد التعيين الحكومي؟
إن ظهور الوثيقة في هذا التوقيت يستدعي بدوره التساؤل عن ظروف تداولها والجهة التي أخرجتها إلى العلن، من دون افتراض وجود مؤامرة أو تصفية حسابات قبل ظهور أدلة تثبت ذلك. فالتوقيت قد يكون مدخلا لفهم خلفيات النقاش، لكنه لا يكفي وحده لإثبات نوايا من نشر الوثيقة أو لتفنيد مضمونها.
أما حزب الاستقلال، الذي تنتمي إليه الوزيرة، فتتجه إليه الأنظار باعتباره الجهة السياسية الأقرب إلى مسارها. وقد نقلت وسائل إعلام عن مصدر حزبي تشكيكه في موثوقية الوثيقة، والتأكيد على أن ما يجري تداوله لا يكفي لإثبات الادعاءات المرتبطة بها. لكن الرأي العام يحتاج إلى معرفة ما إذا كان هذا الموقف يمثل توضيحا رسميا ونهائيا للحزب، وما المعطيات التي يستند إليها، وهل هناك ما يمكن تقديمه بشأن حقيقة القضية القديمة ومآلها، في حدود ما يسمح به القانون ويحفظ الخصوصية.
ولا يتعلق الأمر بمطالبة الحزب بكشف أسرار الحياة الصحية لعضوته، ولا بإجباره على الرد على كل ما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما بضرورة التمييز بين حماية الحياة الخاصة وبين توضيح ما يمكن توضيحه بشأن ادعاءات ذات صلة بمسار قضائي يثار في النقاش العام. فالتواصل المسؤول لا يعني التسليم بكل الاتهامات، كما لا يعني الاكتفاء بنفي عام لا يبدد الأسئلة الأساسية.
ومن جهة أخرى، فإن تعيين شخص في منصب وزاري يفتح بطبيعته نقاشا حول معايير الاختيار والتحقق من المعطيات ذات الصلة بالمسؤولية العامة. وإذا كانت هناك إجراءات روتينية تسبق اقتراح الأسماء وتعيينها، فإن السؤال الذي يستحق الطرح هو مدى وضوح هذه الإجراءات ونجاعتها، لا افتراض أن التعيين يثبت البراءة من كل ادعاء، أو أن ظهور وثيقة قديمة يثبت العكس.
إن المسؤولية السياسية لا تعني أن يصبح المسؤول مستباح الحياة الخاصة، لكنها تفرض، في الوقت نفسه، قدرا من الوضوح حين تتحول ادعاءات محددة إلى موضوع نقاش عام. وبين الحق في الخصوصية والحق في المعرفة، ينبغي البحث عن الحقيقة من خلال الأدلة، لا من خلال حملات التشهير ولا من خلال الدفاع الحزبي غير المدعوم بمعطيات قابلة للتحقق.
وفي نهاية المطاف، لا نوجه اتهاما إلى مديحة خيير، ولا نصدر حكما بتبرئتها من وقائع لم تتضح حقيقتها بعد. كما لا نتخذ من تاريخ الوثيقة وحده سببا للإدانة، ولا من مسارها المهني السابق جوابا نهائيا عن كل الأسئلة. إننا نطالب فقط بتوضيح ما يمكن توضيحه: حقيقة الوثيقة، ومصدرها، والسياق الذي صدرت فيه، والمآل القضائي للقضية التي يجري ربطها بها، وموقف الجهات المعنية من هذه المعطيات.
فالحقيقة لا يحسمها التشكيك، ولا يثبتها الصمت، ولا تحجبها المناصب. وما دام الملف قد انتقل إلى النقاش العام، فإن الطريق المسؤول يظل هو التحقق والتوضيح، مع صون الكرامة والخصوصية واحترام قرينة البراءة. نحن لا نتهم ولا نفند قبل التحقق؛ نحن نتقصى الحقيقة، ونعتبر أن حق الرأي العام في الفهم لا يقل أهمية عن حق أي شخص في ألا يدان بادعاءات لم تثبت.




