المغرب

هل تكسب الدبلوماسية المغربية ورقة جديدة في أمريكا اللاتينية؟

تواصل الدبلوماسية المغربية تعزيز حضورها في أمريكا اللاتينية، وهي منطقة ظلت لسنوات إحدى أكثر الساحات تعقيداً في ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، بفعل التوازنات السياسية والإيديولوجية التي حكمت مواقف عدد من دولها. وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى البيرو، حيث تشير المعطيات المتداولة إلى اقتراب إعلان موقف أكثر وضوحاً في دعم سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية ومبادرة الحكم الذاتي، وهو تطور، إذا تأكد رسمياً، سيشكل مكسباً دبلوماسياً جديداً للمملكة.

ولا يمكن النظر إلى هذا التحول، إن تحقق، باعتباره حدثاً معزولاً، بل هو نتيجة لمسار طويل اعتمد فيه المغرب على تنويع أدواته الدبلوماسية، فلم يقتصر على القنوات الرسمية، بل عزز حضوره عبر الدبلوماسية البرلمانية والاقتصادية والثقافية، مع توسيع شبكة الشراكات داخل القارة الأمريكية.

ومن بين أبرز المحطات التي مهدت لهذا التقارب، انفتاح المغرب على برلمان الأنديز، الذي يضم ممثلين عن البيرو وكولومبيا والإكوادور وبوليفيا وتشيلي، حيث حصل سنة 2018 على صفة عضو ملاحظ دائم، ليصبح أول بلد عربي وإفريقي ينال هذه المكانة. ولم يكن ذلك مجرد اعتراف بروتوكولي، بل وفر للمغرب فضاءً مؤسساتياً لتعزيز حضوره والتواصل مع النخب السياسية والبرلمانية في المنطقة.

وتأتي هذه الدينامية في سياق أوسع يشهد تحولاً تدريجياً في مواقف عدد من الدول تجاه قضية الصحراء المغربية، مع تزايد التأييد لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً واقعياً وذا مصداقية لتسوية هذا النزاع، وهو ما انعكس في مواقف دول من أوروبا وإفريقيا والعالم العربي، إضافة إلى عدد من بلدان أمريكا اللاتينية.

كما أن الرسائل التي يوجهها الملك محمد السادس إلى قادة الدول الصديقة تعكس حرص المغرب على ترسيخ شراكات قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بما يجعل التعاون السياسي مدخلاً لتطوير العلاقات الاقتصادية والاستثمارية والثقافية، وهو ما يمنح هذه التحولات بعداً استراتيجياً يتجاوز الجانب الدبلوماسي.

وإذا تأكد الموقف الجديد للبيرو، فإن المغرب لن يكون قد كسب فقط دعماً إضافياً في قضية وحدته الترابية، بل سيكون قد عزز حضوره في منطقة كانت تُعد لسنوات مجالاً صعباً للدبلوماسية المغربية. كما أن هذا التطور قد يشجع دولاً أخرى في أمريكا اللاتينية على إعادة تقييم مواقفها في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية.

وبين التحركات الدبلوماسية الهادئة والنتائج المتراكمة، يبدو أن المغرب يواصل الرهان على سياسة النفس الطويل، معتمداً على بناء الثقة وتوسيع دائرة الشركاء، في مسار جعل قضية الصحراء تنتقل تدريجياً من منطق الاستقطاب الإيديولوجي إلى منطق البحث عن حلول واقعية ومستدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى