خريطة مبتورة تتكرر.. حين تتحول “الهفوة” إلى ممارسة لدى الكيان الصهيوني

لم يعد ظهور خريطة المغرب مبتورة من أقاليمه الجنوبية في منشورات رسمية صادرة عن مؤسسات تابعة لما يُعرف بـ“الكيان الصهيوني” حدثاً عرضياً يمكن تبريره بخطأ تقني، بل بات أقرب إلى سلوك متكرر يثير الكثير من علامات الاستفهام حول دلالاته وسياقاته.
أحدث هذه الوقائع جاء من خلال منشور صادر عن الجيش الإسرائيلي، تضمّن رسماً يبرز مدى صاروخي مرتبط بـإيران، غير أن التركيز لم ينصب على الرسالة العسكرية بقدر ما انصب على الخريطة المعتمدة، والتي أظهرت المغرب مبتوراً من صحرائه، في مشهد أعاد إلى الواجهة سلسلة من السوابق المشابهة.
فالتاريخ القريب يسجل أكثر من واقعة ظهر فيها مسؤولون من نفس الجهة، من بينهم بنيامين نتنياهو، وهم يعرضون خرائط للمغرب دون أقاليمه الجنوبية، سواء في عروض رسمية أو مواد إعلامية، وهو ما يجعل تكرار هذه الحالات أمراً يصعب عزله عن سياق أوسع.
هذا التكرار يطرح إشكالاً عميقاً، خاصة وأن قضية الوحدة الترابية تحظى بإجماع وطني داخل المغرب، ما يجعل أي تمثيل مبتور للخريطة الوطنية يُقرأ كرسالة سياسية، حتى وإن قُدِّم في قالب تقني أو عسكري. فالخرائط، في منطق العلاقات الدولية، ليست مجرد أدوات توضيحية، بل تعبيرات رمزية تختزل مواقف وتوجهات.
ويرى متابعون أن تكرار هذه “الهفوات” من طرف مؤسسات رسمية تابعة للكيان الصهيوني يعكس، في أحسن الأحوال، غياباً لحساسية دبلوماسية تجاه قضايا السيادة، وفي أسوأها، مؤشراً على نمط تواصلي لا يُعير اهتماماً كافياً لرمزية الحدود والتمثلات الجغرافية.
كما أن غياب توضيحات رسمية مقنعة في كل مرة يعزز الشكوك، ويدفع إلى التساؤل حول ما إذا كان الأمر يتعلق بأخطاء متكررة بشكل غير مفهوم، أم برسائل غير مباشرة يتم تمريرها عبر تفاصيل تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تحمل دلالات كبيرة في عمقها.
في المحصلة، لم تعد هذه الوقائع تمر مرور الكرام، بل أصبحت تُقرأ ضمن سياق أوسع من التوتر الرمزي، حيث تتحول الخريطة من مجرد رسم إلى موقف، ومن أداة تقنية إلى خطاب سياسي قائم بذاته. وهو ما يفرض إعادة طرح سؤال جوهري: إلى أي حد يمكن فصل “الخطأ” عن “التكرار” حين يصبح هذا الأخير قاعدة لا استثناء؟




