المغرب

مؤتمر بلا زعيم؟ حين يختبر حزب الأحرار ما بعد أخنوش


لا يمكن قراءة قرار حزب التجمع الوطني للأحرار عقد مؤتمر استثنائي، وما رافقه من ترتيبات تنظيمية، بوصفه مجرد إجراء داخلي لتدبير مرحلة انتقالية. فالسياق السياسي، وتوقيت الخطوة، وطريقة إخراجها، كلها عناصر تجعل من هذا المؤتمر لحظة مفصلية، ليس فقط في مسار الحزب، بل في علاقة السلطة الحزبية بالسلطة الحكومية في المغرب.
في الظاهر، يبدو المشهد هادئًا: مؤسسات تشتغل، مكاتب سياسية تصادق، لجان تحضيرية تُشكل، وخطاب رسمي مطمئن يتحدث عن “الاستمرارية” و”النجاعة” و”المنجز الحكومي”. لكن تحت هذا الهدوء، يطفو سؤال مركزي: هل نحن أمام انتقال تنظيمي عادي، أم أمام بداية إعادة تموضع سياسي لرئيس حكومة اختار الانسحاب خطوة إلى الخلف؟
تنحي عزيز أخنوش عن تسيير شؤون الحزب، حتى وإن قُدم كقرار طوعي لتدبير مرحلة تمديد الهياكل، يحمل أكثر من رسالة. في الأنظمة الحزبية الكلاسيكية، الجمع بين رئاسة الحكومة ورئاسة الحزب يُعتبر مصدر قوة سياسية. أما فك هذا الارتباط، في هذه اللحظة بالذات، فيفتح باب التأويل على مصراعيه، خاصة في ظل تآكل رصيد الثقة الاجتماعية، وضغط الملفات الاقتصادية، وارتفاع منسوب النقد الشعبي للأداء الحكومي.
الأهم من “من سيرأس الحزب” هو: أي حزب سيخرج من هذا المؤتمر؟
هل نحن أمام تنظيم يسعى فعلاً إلى تجديد نخبته وخطابه، أم أمام إعادة ترتيب تقنية لتخفيف العبء السياسي عن رئيس الحكومة دون المساس بجوهر القيادة الفعلية؟
لغة البلاغات الصادرة عن الحزب تكشف الكثير. فهي لغة دفاعية أكثر منها هجومية، تركّز على “الأرقام” و”المؤشرات” و”المنجزات”، في محاولة واضحة لإعادة تثبيت شرعية الأداء الحكومي عبر مرجعية تقنية، لا عبر الإقناع السياسي أو الاجتماعي. هذا الاختيار ليس بريئًا، بل يعكس إدراكًا داخليًا بأن الرأسمال الرمزي للحكومة لم يعد بنفس القوة التي دخلت بها ولايتها.
كما أن التشديد على “مساندة أخنوش رئيسًا للحكومة” مقابل تنحيه عن الحزب، يكرّس فصلًا غير معلن بين الواجهة السياسية والقيادة التنفيذية. وكأن الحزب يقول: الحكومة مستمرة، لكن الحزب يحتاج إلى إعادة ترتيب أوراقه بعيدًا عن كلفة التدبير اليومي للسلطة.
غير أن هذا الفصل يحمل مخاطره. فحزب يقود الحكومة لا يمكنه أن ينجح طويلًا بمنطق “رئيس حكومة بلا حزب قوي، وحزب بلا زعيم مركزي”. التجارب المقارنة تُظهر أن هذا النوع من الترتيبات المؤقتة غالبًا ما يفتح صراعات داخلية مؤجلة، خاصة حين تُفتح باب الترشيحات دون وضوح في الرؤية أو المشروع.
ثم هناك سؤال الديمقراطية الداخلية. الإشادة بالانضباط والتنظيم واحترام المواعيد لا تكفي وحدها. التحدي الحقيقي هو: هل سيُسمح بنقاش سياسي حقيقي داخل المؤتمر؟ هل ستُطرح أسئلة المرحلة، والخيارات الاجتماعية، والعلاقة مع الشارع؟ أم سيظل المؤتمر مجرد محطة تنظيمية محكومة بسقف مضبوط سلفًا؟
في العمق، مؤتمر الأحرار الاستثنائي ليس عن الأشخاص فقط، بل عن نموذج الحزب:
هل هو حزب مؤسسات وبرامج، أم حزب تدبير ظرفي مرتبط بالسلطة؟
هل يستطيع العيش سياسيًا خارج ظل زعيم قوي، أم أن بنيته ما تزال قائمة على مركز واحد؟
المرحلة المقبلة ستُظهر إن كان الحزب قادرًا على تحويل هذا المؤتمر إلى فرصة لإعادة بناء شرعيته السياسية، أم أنه سيكتفي بإدارة الزمن، في انتظار ما ستفرزه التحولات القادمة.
في كل الأحوال، ما بعد هذا المؤتمر لن يشبه ما قبله. لأن السياسة لا تعترف بالفراغ، وأي خطوة إلى الخلف، مهما قُدمت بلغة تقنية هادئة، تظل خطوة تحمل أكثر من معنى… وأكثر من حساب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى