المغرب

لمذا تغيرت منهجية حساب البطالة: عن أي بطالة نتحدث؟

في ظرف ثلاثة أشهر فقط، أعلنت المندوبية السامية للتخطيط أن معدل البطالة الوطني تراجع من أزيد من 13% إلى قرابة 10%. لا جديد اقتصاديا يبرر قفزة بهذا الحجم: لا مصانع فتحت بالجملة، ولا مشاريع كبرى استوعبت مئات الآلاف من العاطلين بين عشية وضحاها. التفسير الرسمي الوحيد هو تغيير “منهجية القياس” نفسها. وهذا بالضبط ما يستحق التوقف عنده بعين ناقدة.

المنهجية الجديدة: تعريف أضيق يخرج فئات كاملة من الإحصاء
المنهجية القديمة كانت تحتسب ضمن “المشتغلين” فئات تمارس أنشطة غير مؤدى عنها، كالعمل العائلي في الحقل أو المتجر. المنهجية الجديدة استبعدت هذه الفئات، واعتمدت تعريفا أضيق بكثير لا يعتبر الشخص “مشتغلا” إلا إذا كان يتقاضى أجرا أو ربحا فعليا.
النتيجة الحسابية بديهية: كلما ضيقت تعريف “العاطل”، كلما انخفض عدد من يدخلون تحت هذا التصنيف — ليس لأنهم وجدوا عملا، بل لأن أداة القياس توقفت عن احتسابهم أصلا. هذا ليس تحسنا في سوق الشغل، بل تحسنا في الرقم المعلن فقط.
المبرر الرسمي: “مواءمة مع المعايير الدولية” — وهنا تكمن المشكلة الحقيقية
الحجة المقدمة هي أن هذه المنهجية معتمدة في “أغلب الدول المتقدمة” كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول الاتحاد الأوروبي. لكن هذه الحجة، عند التمحيص، هشة جدا:
في هذه الدول، القطاع غير المهيكل هامشي، وأغلب العمل مؤطر بعقود وأجور معلنة ونظام ضرائب صارم يجعل “العمل مقابل أجر” هو الحالة الافتراضية للجميع تقريبا.
في المغرب، جزء كبير من الاقتصاد يعمل خارج هذا الإطار تماما: الفلاحة العائلية، التجارة غير المهيكلة، العمل المنزلي، الحرف الصغيرة — وهي أنشطة حقيقية تشغل ملايين المغاربة لكنها لا “تدر أجرا” بالمعنى الذي يشترطه التعريف الجديد.
الدول الأوروبية توفر أيضا لمن يخرج من سوق الشغل شبكة حماية اجتماعية (تعويضات بطالة، تأمين صحي شامل، حد أدنى مضمون للدخل) تجعل تصنيف “غير نشيط” لا يعني بالضرورة “بلا مورد عيش”. في المغرب، من يخرج من الإحصاء بهذه الطريقة غالبا لا يخرج من الحاجة الفعلية، بل فقط من عين الإحصاء الرسمي.
بعبارة أخرى: استعارة أداة قياس صممت لاقتصادات ذات دخل مرتفع وحماية اجتماعية شاملة، وتطبيقها حرفيا على اقتصاد يختلف عنها جوهريا في الدخل والحقوق والبنية، لا ينتج “دقة إحصائية” كما يروج له، بل ينتج رقما معلنا مجملا لا يعكس واقع من يعيشون الهشاشة فعليا.
مؤشر إضافي يعزز الشك: تراجع معدل النشاط بدل ارتفاعه
في نفس الفترة، تراجع معدل النشاط الاقتصادي (نسبة من هم فعليا داخل سوق الشغل، سواء مشتغلين أو باحثين عن عمل)، بشكل أكثر حدة لدى النساء وسكان القرى. منطقيا، إذا كان الاقتصاد يخلق فرصا حقيقية، يفترض أن يرتفع معدل النشاط لا أن ينخفض. تراجعه في نفس اللحظة التي “تحسن” فيها رقم البطالة يطرح سؤالا مباشرا: هل خرج هؤلاء الأشخاص من دائرة “العاطلين” لأنهم وجدوا عملا، أم لأن التعريف الجديد ببساطة لم يعد يراهم؟
التوقيت: صدفة أم اختيار؟
هذا التحول الجوهري في أداة قياس بهذه الحساسية السياسية لم يأت في أي لحظة عشوائية، بل تزامن مع تغيير قيادة المؤسسة المسؤولة عن إصدار هذه الأرقام، وجاء في سنة تسبق مباشرة استحقاقا انتخابيا تشريعيا. صدفة التوقيت هذه، مهما كانت التبريرات التقنية المرفقة بها، تستحق تفسيرا أوضح وأكثر شفافية من الجهات الرسمية.

لا أحد يعترض على تحديث أدوات الإحصاء بحد ذاته. المشكلة أن التحديث، كما قدم، يقارن نفسه بمعايير دول لا تشبهنا لا في مستوى الدخل ولا في شبكات الحماية الاجتماعية ولا في حجم الاقتصاد غير المهيكل، ثم يقدم النتيجة كأنها “تحسن” في واقع المغاربة، بينما هي في جوهرها إعادة تعريف لمن يحتسب أصلا. هذا الفارق بين “تحسن الرقم” و”تحسن الواقع” هو بالضبط ما يجب أن يساءل عنه المسؤولون بوضوح، لا أن يمرر بصمت تحت غطاء “المواءمة الدولية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى