المغرب

قانون المحاماة يقترب من الحسم.. هل انتهى الجدل أم بدأت معركة التطبيق؟

لم تكن مصادقة مجلس النواب على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة في قراءة ثانية مجرد محطة تشريعية عادية، بل شكلت منعطفًا جديدًا في مسار إصلاح إحدى أهم المهن المرتبطة بمنظومة العدالة. فالقانون، الذي أثار منذ الإعلان عنه نقاشًا واسعًا داخل الأوساط المهنية والسياسية والحقوقية، عاد ليؤكد أن إصلاح قطاع العدالة لا يزال من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في المغرب.

ورغم نجاح الحكومة في تمرير المشروع بأغلبية مريحة، فإن ذلك لا يعني أن الجدل قد انتهى. فالتعديلات التي أدخلت على بعض المواد، وعلى رأسها المادة 77، عكست وجود ملاحظات واعتراضات دفعت السلطة التنفيذية إلى مراجعة بعض الصياغات، وهو ما يؤكد أن النقاش لم يكن شكليًا، بل فرض نفسه داخل المؤسسة التشريعية وخارجها.

وقد حرص وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، على التأكيد أن التعديلات لا تمس جوهر المشروع، وإنما تهدف إلى تحسين الصياغة والاستجابة لبعض الملاحظات التقنية. غير أن منتقدي المشروع يرون أن الخلاف يتجاوز الجوانب التقنية، ليشمل فلسفة القانون نفسها، ومدى حفاظه على استقلالية مهنة المحاماة، وحدود تدخل المؤسسات في تدبير شؤونها.

ومن الناحية السياسية، يمثل تمرير المشروع نجاحًا للأغلبية الحكومية، التي تمكنت من الحفاظ على التوازن داخل البرلمان وضمان المصادقة على أحد أكثر مشاريع القوانين إثارة للنقاش. كما يعكس هذا المسار قدرة الحكومة على تمرير إصلاحات تعتبرها ضرورية، رغم المعارضة التي واجهتها من بعض الهيئات المهنية والبرلمانية.

لكن التجارب السابقة تؤكد أن نجاح أي قانون لا يقاس بعدد الأصوات التي صادقت عليه، وإنما بمدى قدرته على تحقيق أهدافه عند التطبيق. فالنصوص القانونية قد تبدو متماسكة على الورق، إلا أن الاختبار الحقيقي يبدأ مع دخولها حيز التنفيذ، حيث تظهر قدرتها على معالجة الإشكالات التي وضعت من أجلها، ومدى تقبل الفاعلين المهنيين لها.

ويعيد هذا المشروع أيضًا طرح سؤال قديم يتجدد مع كل إصلاح تشريعي يتعلق بالمهن الحرة: هل تكفي الأغلبية البرلمانية لإقرار إصلاح ناجح، أم أن نجاح الإصلاح يقتضي توافقًا أوسع مع الهيئات المهنية المعنية؟ فالتوافق لا يعني بالضرورة الإجماع، لكنه يساهم في ضمان تنزيل أكثر سلاسة واستقرارًا للقوانين.

ومع إحالة المشروع مجددًا إلى مجلس المستشارين لاستكمال المسطرة التشريعية، يبقى الرهان الحقيقي هو مرحلة التطبيق. فنجاح قانون تنظيم مهنة المحاماة لن يقاس بما دار تحت قبة البرلمان، وإنما بقدرته على تطوير المهنة، وتعزيز استقلاليتها، وتحسين خدمات العدالة، وترسيخ ثقة المواطنين في المؤسسات القضائية.

وبذلك، فإن مشروع القانون 66.23 قد يكون أنهى جزءًا من رحلته التشريعية، لكنه يفتح في المقابل مرحلة جديدة من النقاش حول كيفية تنزيل مقتضياته، ومدى قدرته على تحقيق التوازن بين تحديث المهنة وصون استقلاليتها، بما يخدم العدالة والمتقاضين في آن واحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى