
مرة أخرى، يجد الخطاب الرسمي الجزائري في كرة القدم فرصة لإعادة تدوير سردية “الاستهداف” و”المؤامرة”، بعدما خرج وزير الاتصال زهير بوعمامة بتصريحات هجومية غير مسبوقة تجاه الاتحاد الإفريقي لكرة القدم وبلد تنظيم كأس أمم إفريقيا 2025، في سياق بدا أقرب إلى تبرير الإخفاق الرياضي منه إلى دفاع مؤسس عن مبادئ النزاهة.
التصريحات، التي اتهمت أطرافًا “معروفة” بالسطو على التراث والبطولات، نقلت النقاش من المستطيل الأخضر إلى منطق الصراع السياسي، حيث تم تقديم الخسارة الكروية باعتبارها نتيجة ممارسات “غير شريفة”، بدل التعامل معها كجزء طبيعي من لعبة تخضع لمنطق التنافس والنتائج.
الأخطر في هذا الخطاب ليس فقط الاتهام المباشر لمؤسسة قارية بحجم “الكاف”، بل انزلاق وزير في حكومة إلى إصدار أحكام قيمية على بطولة رياضية، في تدخل يتعارض مع مبدأ استقلالية الرياضة عن السلطة السياسية، وهو مبدأ تؤكد عليه قوانين الاتحاد الدولي لكرة القدم، وتعتبر خرقه مساسًا بجوهر المنافسة.
كما أن ربط الإخفاق الرياضي بسرديات ثقافية وهوياتية، من قبيل “السطو على التراث” و”العداء الممنهج”، يعكس عجزًا عن الفصل بين ما هو رياضي وما هو سياسي، ويُحوّل كرة القدم من مجال للتنافس النزيه إلى أداة تعبئة داخلية تفتقد للموضوعية.
في المقابل، يظل تنظيم كأس أمم إفريقيا بالمغرب خاضعًا لمعايير واضحة يراقبها الاتحاد الإفريقي، من حيث البنية التحتية، التحكيم، والتنظيم، وهي معايير لم تكن يومًا محل تشكيك مؤسساتي، إلا في سياق ردود فعل انفعالية أعقبت نتائج غير مرضية.
إن تحميل “الآخر” مسؤولية الإخفاق بدل مراجعة الاختيارات التقنية والتدبيرية، لا يخدم الكرة الجزائرية، بقدر ما يرسّخ منطق الضحية الدائمة، ويُبعد النقاش عن الأسئلة الحقيقية المتعلقة بالتكوين، والاستمرارية، والحوكمة الرياضية.
في النهاية، تبقى كرة القدم لعبة نتائج، لا منصة لتصفية الحسابات السياسية. ومن أراد حماية صورة الكرة الإفريقية، فالأجدر أن يبدأ باحترام مؤسساتها وقوانينها، بدل التشكيك فيها كلما خالفت النتائج التوقعات.




