المغرب

علم التدبير الأمني: أية استراتيجية أمنية وطنية وقومية لمواجهة الأزمات والمخاطر؟

playstore

يرتبط الأمن الوطني والأمن القومي بسلطة الاختصاص في مجال حماية مفهوم السيادة والاستقلالية والتحكم في شؤون البلاد و حماية سلطة التحكم في التدبير، مما يتطلب معه امتلاك المعرفة العلمية واستخدام القدرات والوسائل الضرورية لمواجهة الأزمات والمخاطر الخارجية، ذلك أنه على مستوى الأمن الداخلي سبق لجلالة الملك سنة 1999 أن حدد مفهوما جديدا للسلطة في مختلف مجالاتها وربطها بحفظ الحريات وصيانة الحقوق وأداء الواجبات وإتاحة الظروف اللازمة لذلك على النحو الذي تقتضيه تعزيز دولة الحق والقانون في ضوء الاختيارات التي تسير على هديها البلاد من ملكية دستورية وتعددية حزبية وليبرالية اقتصادية وواجبات اجتماعية للدولة، والهدف من تغيير المفهوم الكلاسيكي للسلطة هو رعاية المصالح العمومية والشؤون المحلية وتدبير الشأن الترابي والمحافظة على السلم الاجتماعي. وهي مسؤولية تتطلب الاحتكاك المباشر بالمواطنين ميدانيا وإشراكهم في إيجاد الحلول الملائمة لمشاكلهم. و في نفس المنحى جاءت توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، الداعية الى تغيير العقلية الأمنية، حيث ثبت أن الأزمات والكوارث لا تحد منها صلابة البنيات الاقتصادية والثقافية والسياسية، بل تخترقها عبر هدمها وتحطيمها.
وبما أننا نعيش اليوم في عالم تسوده الأزمات والكوارث، سواء الطبيعية كالزلازل والفيضانات والأعاصير، والأوبئة والأمراض ، أو الاقتصادية كالتضخم المالي وأزمة الديون، أو الازمات السياسية الداخلية أو الخارجية التي تسبب الانفلاتات الأمنية نتيجة الصراعات الدولية أو الأيديولوجية حول السلطة، فتكون الأزمات مباغثة وفجائية، مما يقض أضجاع أمن المجتمع والدولة والأفراد والاقتصاد بسرعة يصعب معها التحكم في الأوضاع.
وأمام المخاطرالافتراضية يجب نقد قدرات وامكانيات الوقاية و التدخل الاستعجالي والفوري القمينة بمواجهة المخاطر ووضع حد للآثار السلبية المتوقعة بأخذ مختلف التدابير الاحترازية للتحكم في توقع الأزمة و أخذ الاحتياطات المحتملة، وذلك بتقوية التدبير الأمني للمخاطر التي قد تتعرض لها المجتمعات المعاصرة بتصنيف وتحديد الامكانيات والفاعلين المؤهلين لإدارتها وكيفية استخدامها للتقليل من حدة نتائجها، مع الأخذ بالحسبان أن مسألة توقع الأزمات والكوارث علميا مسألة معقدة وأحيانا تكون مؤشراتها غير دقيقة بل وغير متوقعة في أغلب الأحيان، وعند حدوثها تستوجب اتخاذ قرارات سريعة وناجعة بناء على الخيارات المطروحة، والمقاربات المناسبة وبكفاءات مهنية ومتخصصة.
إن التحكم في تدبير مختلف الأزمات والكوارث يتطلب قوة الإرادة السياسية الأمنية التي قد تعلن عن حالة الطوارئ داخليا وخارجيا و تدراس ما قد يترتب عنها من آثار نفسية وسوسيو-اقتصادية وحقوقي، فأحيانا تكون الدولة قادرة على حماية أمنها من فوق التهديد والاختراق قد يلاحق الاسس الثقافية والاجتماعية، كاستهداف الأسرة والتعليم والثقافة… وقد تكون الأزمة من أسفل الهرم أسهل نظرا لصعوبة النيل من أعلاه .
إن تحديد مفهوم الأمن القومي حسب الباحث الأكاديمي الأمريكي باري بوزان يبقى عصيبا على الصياغة الدقيقة، بحيث يكتنفه الغموض عند تعريفه، لكنه يبقى بالغ الدلالة لأن غياب التحديد الدقيق، يوفر للنخبة السياسية والعسكرية هامشا واسعا للتنظير الاستراتيجي ولاستخدام القوة، ويعرف الأمن القومي بأنه: ” العمل على التحرر من التهديد، وفي سياق النظام الدولي فهو قدرة الدولة والمجتمعات على الحفاظ على كيانها المستقل وتماسكها الوظيفي ضد قوى التغيير التي تعتبرها معادية، ويعني أيضا قدرة الدولة على الحفاظ على هويتها المستقلة ووحدتها الوظيفية.
وعليه فان للتدبير الأمني خصائص يتميز بها، كخاصية النسبية، لكون الشعور بالأمن المطلق هو بداية التهديد، وخاصية المرونة حيث أن تحقيق الأمن يبقى عملية مستمرة تبعا للظروف المحلية والإقليمية والدولية وحمايته هي عملية تدبير موازية. ثم خاصية الشمولية لكون الأمن يشمل الدولة بجميع مكوناتها الجغرافية والسكانية ونظامها السياسي والاقتصادي والثقافي. بالاضافة الى خاصية الوضوح من خلال إستراتيجية وطنية محددة ومفهومة لكل القائمين على الأمن الوطني في مفاصل الدولة، مما يعني أنها ليست حكرا على الأجهزة الأمنية والعسكرية، كما أن هذه الإستراتيجية يجب أن تتوافقة مع تطلعات الشعب ومطالبه الوطنية.
ويقوم التدبير الأمني على الحكامة بما تنطوي عليه صعوبات ترتبط بالحرية والعدالة و توزيع الموارد و المساواة أمام القانون، في مقابل الامتثال للواجبات المختلفة اتجاه الوطن. بينما الحكامة الأمنية تقوي من شفافية عملية اتخاذ القرار والتنسيق والمساءلة الجماعية التي يم إقرارها من قبل الشرطة والمؤسسات السياسية والمجتمع المدني، بما يضفي تدبير الفعال للأمن.
فالتدبير الاستراتيجي الامني يرصد الأخطار المختلفة والتفكير في الأزمات بجدية وعقلانية مع توقع العواقب قبل وقوعها بالحذر والاحتراز والاجتناب، حيث يعتمد علم التدبير على مبادئ تتمثل في:
تقسيم العمل، احترام التخصص، التوازن بين السلطة والمسؤولية، الالتزام بالواجبات واحترام الحدود الفاصلة بين المقررين والمنفذين، وحدة الأمر، المركزية، التراتبية الإدارية، رفع الأجور والمكافآت حسب الإنتاجية والكفاءة العلمية والعملية، وحدة الهدف، إرساء النظام المالي والاجتماعي، مبدإ المساواة، مبدإ الاستقرار في العمل، مبدإ المبادرة، مبدإ روح الفريق. بالاضافة الى مراعاة البعد الزمني، والبعد الغرضي، والبعد الشخصي، والبعد الكيفي، والعراقيل الممكنة، والعوائق.

sefroupress

وتجدر الاشارة الى أن توجيه الموظفين الذين يقومون بمهمة تنفيذ الأعمال وتصريفها، والعمل على تطويرها، والرفع من وتيرة سرعتها بطريقة إيجابية تبقى من أدوار القائد المدبر الذي يجب أن تتوفر فيه مجموعة من الشروط: كروح المبادرة والإبداعية، وقوة التأثير، وكفاءة التنبؤ، والمرونة، والصبر، والعمل بالأهداف،والتركيز على العمل بمهنية.
وعليه فإن علم التدبير الأمني من العلوم الحديثة نشأ في أحضان علم الاقتصاد منذ القرن التاسع عشر، وتطور كثيرا في القرن العشرين، لينتقل الى أحضان بقية العلوم بما فيها علم الأمن، وعلم السياسة و الاجتماع، وعلم الادارة وعلم المال وعلم التربية وعلم التجارة … وغزا كل مجالات الحياة وأصبح هو محك تأمين التخطيط التنبئي، لكونه أداة إجرائية تنفيذية وعملية وتطبيقية بامتياز. وأنه مرتبط بتحقيق الجودة الكمية والكيفية لكونه علم التدبير منهجا وسلوكا وفلسفة، وأنه يقوم على التخطيط، والتنظيم، والقيادة، والتحكم، والتنفيذ، والتنبؤ، والمراقبة، والتغذية الاستراجاعية.
الدكتور احمد درداري
رئيس المركز الدولي لرصد الأزمات واستشراف السياسات

playstore

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WeCreativez WhatsApp Support
فريق صفروبريس في الاستماع
مرحبا