أقلام حرة

عزيمة، بمستوى الهزيمة.. (1)

playstore

ارتفع رنين الساعة فجأة يشق سكون الغرفة الهادئة، معلنا تمام السادسة صباحا. فامتدت يد رفيعة بأصابع دقيقة نحو المنبه لتسكته بغلظة وقسوة.. وتمدد صاحبها قليلا وقد أحس برغبة عارمة في مواصلة النوم، وتجاهل موعد اليوم. لكنه سرعان ما عاد يزيح الغطاء الخشن عنه، وينهض في كسل وتثاقل عبر مراحل بعد أن حسم أمره أخيرا.

أحس بصداع عنيف يكتنف رأسه، وبذل مجهودا خارقا ليقف على قدميه، فقابلته مرآة صدئة. أفزعه للوهلة الأولى الطيف المرسوم على صفحتها، قبل أن يكتشف متعجبا أنه وجهه! فقد كان شعره منفوشا، ووجهه شاحبا، وفكه السفلي متدليا في بلاهة، وقد انتفخت جفونه بشكل مضحك، وبدتا بارزتين وسط لحية كثة.. لم تفلح عمليات الغسل المتكررة بالماء البارد في تغيير شكله، أو في طرد الدوار الذي يحس به. التقت عيناه فجأة وهو يلتفت نحو ركن الحجرة الضيق بمنضدة صغيرة، غلفت بالصفحة الأولى لإحدى الجرائد اليومية، وصورة إحدى المغنيات شبه عارية تملأ الصفحة، وتحتل الحيز الأكبر منها، مع بقع صغيرة من الزيت، شوهت بعضا من جمالها، وسترت الجزء الأكبر مما عرته الملابس.. أخذ يتطلع إلى القنينات  الفارغة التي وضعت بإهمال فوق المنضدة، وعرف أخيرا سبب الصداع! تذكر شيئا فشيئا سهرة البارحة، والوقت الثمين الذي أضاعه في الشرب رفقة صديقيه إلى ساعات متأخرة من الليل.. أحس بخنجر الندم يخترق أحشاءه ويقطع أوصاله. استسلم أخيرا لفكرة أنه لا يستطيع أن يوفق بين نزواته والإعداد للامتحان، أقسم في قرارة نفسه أن ينتبه لدراسته منذ اليوم، وأن يتنكر لرفاق السوء ويطردهم شر طردة! وقرر أن يبتعد عن الخمر منذ الساعة، وأن لايقرب الشرب بعد اليوم.. فارتاح ضميره شيئا فشيئا مع قراراته الأخيرة.

pellencmaroc

 لم يجد في نفسه القدرة على تناول الإفطار قبل التحاقه بالجامعة. لكنه اقترب شيئا فشيئا من المنضدة، وأشعل سيجارة مكسورة وضعت بإهمال عليها، ثم امتدت يده تلقائيا نحو إحدى القنينات وأفرغ ما تبقى من محتواها في جوفه دفعة واحدة دون أن يشعر.. وأجال عينيه بتمعن في الكتب التي ألقيت بإهمال في جوانب الحجرة.. وتذكر وعده بأن يعتني بها ويبتعد نهائيا عن المجون والخمر! الخمر: انتبه فجأة لهفوته منذ قليل، وكيف أن إرادته أصبحت ضعيفة إلى هذا الحد. أحس بغصة كبيرة في حلقه، واستسلم لعذاب الضمير، وقد علم أن الأمر سيكون صعبا، وأنه سيحتاج إلى عزيمة لا تتزعزع، عزيمة أقوى من الهزيمة.. وعاد يعلل نفسه بأن ما فعله ليس بالأمر الخطير، حتى يسلم ولو مؤقتا من تعذيب الضمير.. وعاد يقسم مجددا بأحرج الأيمان أن لايقرب الخمر في حياته، وأن ينتبه لدراسته احتراما للقلوب الكبيرة التي تنتظره، وللآمال العريضة التي تعقد عليه. ثم حمل كتبه واتجه نحو الباب تنفيذا لوعده. فقابلته نسمات الصبح الباردة، واستنشقت خياشيمه  لأول مرة هواءا نقيا يختلف عن هواء الحجرة الكئيبة، وتثاءب طويلا قبل أن يستأنف طريقه نحو الجامعة وقد أحس برغبته الشديدة للنوم!!  … يتبع.

playstore

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. أسلوب جذاب ومشوق .موفق إنشاء الله نتمنى لك عزيمة لا تقبل الهزيمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WeCreativez WhatsApp Support
فريق صفروبريس في الاستماع
مرحبا