سبتة ومليلية… حين يتحدث أنصار الديمقراطية بلسان الاستعمار

أثار مقال نشرته صحيفة إسبانية تحت عنوان “قوة الحرس المغربي” جدلا واسعا، بعدما قدم قراءة للأحداث التي شهدتها مدينة سبتة، دافع فيها كاتبه عن استمرار السيادة الإسبانية على المدينتين، وحمل المغرب مسؤولية ما وقع، في الوقت الذي دعا فيه الحكومة الإسبانية إلى مساءلة نفسها بشأن ما وصفه بـ”الفشل الذريع” في إدارة العلاقات مع الرباط.
غير أن المقال يكشف عن مفارقة يصعب تجاهلها. فمن جهة، يتحدث الكاتب بإسهاب عن الديمقراطية، وسيادة القانون، واحترام الحدود، ومن جهة أخرى، يتعامل مع سبتة ومليلية باعتبارهما مدينتين إسبانيتين بشكل نهائي، متجاهلا أن وجودهما على الساحل الإفريقي يمثل، بالنسبة للمغرب، امتدادا لإرث استعماري لم تتم تسويته بعد.
فالكاتب يؤكد أن الأمم المتحدة لا تعتبر سبتة ومليلية ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، لكنه يتجنب الإشارة إلى أن عدم إدراجهما في قائمة تصفية الاستعمار لا يعني أن النزاع السياسي والتاريخي حولهما قد انتهى، ولا يلغي استمرار مطالبة المغرب، منذ استقلاله، باسترجاع المدينتين عبر الوسائل السلمية والدبلوماسية وكل الوسائل الممكنة.
ومن المفارقات أيضا أن المقال يصف عبور آلاف الشباب إلى سبتة بأنه “اعتداء على الأراضي الإسبانية”، لكنه لا يطرح السؤال الذي يسبق ذلك كله: كيف يمكن لدولة أوروبية تتبنى خطاب إنهاء الاستعمار وحق الشعوب في تقرير مصيرها أن تعتبر استمرار وجودها في مدينتين تقعان داخل التراب الإفريقي أمرا طبيعيا لا يقبل النقاش؟ فالمطالبة باحترام القانون الدولي لا يمكن أن تكون انتقائية، وإلا فقدت بعدها الأخلاقي والسياسي.
كما أن استحضار أربعة قرون من الوجود الإسباني في المدينتين لا يمنح هذا الوجود شرعية قانونية أو أخلاقية. فالتاريخ مليء بحالات استعمار دام قرونا، لكنه انتهى بمجرد اعتراف المجتمع الدولي بحق الشعوب في استعادة سيادتها. فالزمن لا يحول الاحتلال إلى حق، وإلا لما نالت عشرات الدول استقلالها بعد عقود أو حتى قرون من السيطرة الأجنبية.
ومن الزوايا التي أغفلها المقال أيضا، أن وضع سبتة ومليلية ليس محسوما حتى داخل المنظومة الأمنية الغربية نفسها. فالمادتان الخامسة والسادسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي لا تنصان صراحة على شمول المدينتين بالحماية الدفاعية الجماعية، وهو ما جعل هذه المسألة محل نقاش مستمر داخل الأوساط السياسية والعسكرية الإسبانية. وقد سبق لخبراء ومسؤولين إسبان أن أثاروا هذه الإشكالية، معتبرين أن أي أزمة عسكرية محتملة في سبتة أو مليلية لن تؤدي إلى تفعيل المادة الخامسة، بل ستخضع أولا لتقدير سياسي وإجماع بين دول الحلف. ولو كانت السيادة الإسبانية على المدينتين محسومة دوليا بالصورة التي يحاول بعض الكتاب تقديمها، لما استمر هذا الجدل داخل إسبانيا نفسها، ولما ظلت الحكومات الإسبانية حريصة على تجنب أي تصعيد قد يضع حلف الناتو أمام اختبار قانوني وسياسي معقد لأن المدينتان لا تدخلان تحت حماية الناتو. إن هذا الواقع يعكس أن المدينتين تتمتعان بوضع خاص يختلف عن بقية الأراضي الأوروبية، وأن ملفهما لا يزال يحمل أبعادا تاريخية وجيوسياسية تجعل الحديث عن “سيادة إسبانية” أقرب إلى خطاب سياسي منه إلى حقيقة قانونية مستقرة.
ويغفل المقال كذلك حقيقة أن التعاون الأمني والاستخباراتي بين المغرب وإسبانيا كان، على مدى سنوات، أحد أهم عوامل الاستقرار في غرب البحر الأبيض المتوسط. فقد اعترفت الحكومات الإسبانية نفسها مرارا بالدور الذي يلعبه المغرب وهو ما جعل هذا التعاون يجنب الاتحاد الأوروبي الكثير من الكوارث.
واللافت أن الكاتب يطالب بمحاسبة حكومة بيدرو سانشيز بسبب ما يعتبره فشلا في إدارة العلاقة مع المغرب، وهو اعتراف ضمني بأن الرباط أصبحت شريكا استراتيجيا لا يمكن لإسبانيا تجاهله. غير أن هذا الاعتراف يتناقض مع محاولته تصوير المغرب باعتباره مجرد مصدر للمشكلات، متجاهلا أن أمن إسبانيا، كما تقر بذلك مؤسساتها الرسمية، يرتبط بدرجة كبيرة باستمرار التعاون مع المغرب.
إن الدفاع عن الديمقراطية لا ينسجم مع تبرير استمرار إرث استعماري، كما أن الحديث عن احترام القانون الدولي لا يكتمل دون الاعتراف بأن للمغرب موقفا ثابتا من سبتة ومليلية، يقوم على المطالبة باسترجاعهما بالوسائل السلمية والدبلوماسية واستخدام الطرقالتي يراها مناسبة . لذلك، فإن اختزال النقاش في مسألة عبور الحدود أو في تحميل المغرب مسؤولية كل أزمة، دون التطرق إلى الجذور التاريخية والسياسية للملف، يقدم صورة ناقصة لا تساعد على فهم حقيقة هذا النزاع الممتد.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن لمن يدافع عن الديمقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها أن يتجاهل، في الوقت نفسه، آخر الجيوب الاستعمارية القائمة في شمال إفريقيا؟ هذا هو السؤال الذي لم يجب عنه المقال، رغم أنه يشكل جوهر القضية.




