المغرب

د عبد الرحيم شطيبة يكتب : "قراءة في الحصيلة البيداغوجية لجامعة سيدي محمد بن عبدالله في الفترة الممتدة من 16 مارس إلى 27 أبريل 2020"

playstore

أولا: مقدمة في السياق 

يقصد بالسياق محطة التمثل والتنزيل، في المقام الأول، للمنظومة التدبيرية الوطنية المتعلقة بالإجراءات الاحترازية للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد كوفيد-19، ومنها قرار توقيف  الدراسة حضوريا بتاريخ 16  مارس 2020 بجميع المستويات بما   في ذلك  التعليم   العالي.

pellencmaroc

 وبناء على هذا القرار بادرت جامعة سيدي محمد بن عبدالله بفاس إلى تنزيل خطة إجرائية متكاملة ترمي ضمان استمرارية العملية التعليمية بجميع المؤسسات الجامعية التابعة لها، فتمكنت بفضل المجهودات الجبارة التي قامت بها هيئة التدريس والفرق الإدارية والتقنية، وبشكل تدريجي، من توفير  ترسانة مهمة من الموارد الرقمية والسمعية والسمعية-البصرية مكنت طلبتها من الاستمرار في التحصيل الجامعي؛ ولعل هذا السياق يعد فرصة للانطلاق نحو بناء تصور استراتيجي للرقمنة البيداغوجية، تهم مختلف الجوانب التي تتمثل أساسا في اعتماد مقاربات تعليمية وتقييمية رقمية.

ويقصد بالسياق في المقام الثاني محطة التميز المتمثل في تبوأ جامعتنا الرتبة الأولى[1] وطنيا من حيث عدد الدعامات البيداغوجية والموارد الرقمية، وهو رقم قياسي بالنظر إلى مدة الإنجاز التي لا تتعدى شهرا ونصف، وبالنظر أيضا إلى أن أغلبية الأساتذة اعتادوا التعليم الحضوري، ومنهم من لم يسبق له أن مارس التعليم عن بعد.

ثانيا: ملخص الحصيلة.         

يتضح من خلال بيان الحصيلة التي أعلن عنها رئيس الجامعة الأستاذ رضوان مرابط يوم 28 أبريل 2020 بشكل رسمي وبمختلف الوسائل التواصلية الرسمية الإدارية منها والاجتماعية أنها تميزت بالوفرة الإنتاجية (11.700 دعامة بيداغوجية)، وبتنوع هذه الدعامات (1095 دعامة مرئية، و 791 دعامة صوتية، و 9817 ملف رقمي).

كما تميزت التجربة بتعدد وسائل تبليغ هذه الدروس حرصا على تنويع وتكثيف سبل التواصل والتفاعل مع الطلبة، حيث لم تقتصر الجامعة على نشرها في مواقعها الالكترونية ومنصات تطبيق موودلmoodle، وإنما لجأت إلى بثها عبر كل الوسائل المتاحة مثل صفحات الفايسبوك وقنوات يوتيب والرسائل الالكترونية الأكاديمية comptesacadémiques ومجموعات الواتساب، والمحاضرات المرئية  visioconférencesلتطبيقات كوكل ميت google meet ، وزوم zoom ، ومنتديات التحاورforums et chats .

وبالإضافة إلى هذه الوسائل التواصلية التي تم ذكرها، انخرطت الجامعة بتنسيق مع الوزارة الوصية في البرنامج الوطني الخاص ببث الدروس على أمواج التلفزة المغربية، وكذا البرنامج الجهوي لبث الدروس على أثير إذاعات جهة فاس مكناس؛ واستطاعت بذلك أن تكون حاضرة في القناة الرياضية بنسبة كبيرة إذ شاركت جل مؤسساتها الجامعية بهذا البرنامج التلفزي بمعدل عام يتراوح بين درسين وأربعة دروس عن كل مؤسسة؛ كما كثفت من مشاركتها الإذاعية بنسبة تفوق 30 درسا عن كل مؤسسة خلال الأسابيع الثلاث الأولى ، وبرمجت نفس النسبة لثلاث أسابيع قادمة.

كما يمكن اعتبار الإقبال الكبير والمفاجئ للطلبة على تصفح وتتبع الدروس من خلال منصة موودل، والذي تجاوز 54% مؤشرا مهما على كسب رهان التبليغ وتحقيق المتابعة والتفاعل بين الأستاذ والطلبة، وبالتالي مؤشرا آخر للتميز سيما وأن تفعيل هذا التطبيق لم ينطلق فعليا في جميع المؤسسات إلا في بداية شهر أبريل 2020.كل هذه المؤشرات جعلت جامعة سيدي محمد بن عبد الله تتصدر مواقع الترتيب على المستوى الوطني، وتتبوأ المكانة التي تستحقها.

ثالثا، أسباب التميز

إن هذه النتائج التي وصلت إليها جامعة سيدي محمد بن عبد الله على مستوى الاستمرارية البيداغوجية عبر الوسائط الرقمية ما كانت لتتحقق لولا التضافر والالتقاء المبدئي والتلقائي لثلاثة عناصر متفاعلة ومتكاملة، وهي:

1.   عنصر التوجه الاستراتيجي لتطوير الجامعة

     يمكن استخلاص هذا التوجه الاستراتيجي من خلا الوقوف على مرتكزات مشروع تطوير جامعة سيدي محمد بن عبدالله الذي صادق عليه مجلسها في موسم 2018، ومن هذه المرتكزات ما سماه الأستاذ رضوان مرابط “بالجامعة الرقمية” والذي فصل عناصره في الفصل السادس من مشروعه لتطوير الجامعة، حيث أكد على ضرورة “تعميم استعمال التطبيقات الرقمية في التكوين والبحث العلمي والحكامة”[2]، وهو نقس المرتكز الذي عبر عنه خلال كلمته التي ألقاها بمناسبة تنصيبه رئيسا للجامعة “بالتوجه الخامس المتعلق بالجانب الرقمي” والذي يتجلى حسب تصوره في وضع استراتيجية “لنظام رقمي موحد وجديد يلعب دورا مركزيا في التحولات التي نسعى إليها فيما يخص تحديث مجالات الحكامة والتكوين والبحث العلمي والابتكار”.

 

ولذلك فإنه في تقديري الخاص، يجب تقييم هذه الحصيلة البيداغوجية المتميز والمتعلقة بالتكوين عن بعد ليس فقط باعتبارها إجراءا استثنائيا على مستوى توقيت تنزيله، ولكن باعتبارها تكتسي طابعا استراتيجيا بالنسبة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله، وتشكل جانبا مهما من بنية مشروع تنمية الجامعة، أفقه “الجامعة الرقمية”، والتي تستهدف تعميم استخدام التكنولوجيات الحديثة في كل مفاصل الحياة الجامعية، وهو ما يتم تجسيده تدريجيا من خلال “مركز التكوين عن بعد” للجامعة، بغرض الانتقال إلى  بنية رقمية جامعية متطورة، وتأهيل المهارات والكفاءات البشرية لقيادة هذا التحول.

2.   عنصر الإعداد ووثيرة الاشتغال

ويقصد بهذا العنصر مجموعة التدابير التي وظفتها رئاسة الجامعة تجسيدا للخطة التي رسمتها وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي في إطار التدابير المتخذة لتعويض التعليم الحضوري في سياق تفشي وباء كوفيد19 واجتياحه لحواجز الزمان والمكان.

 ومن بين هذه التدابير، ما يتعلق بالجانب التواصلي المكثف والمستمر والمتطور من حيث وثيرته ونوعيته وأهدافه، حيث انكب بالأساس على عمليتي الإخبار والتنسيق: إخبار السيدات والسادة الأساتذة بكل المستجدات والقرارات الصادرة تارة عن الوزارة الوصية وأخرى عن رئاسة الجامعة، حيث يمكن القول وبدون مبالغة أنه في كل يوم كانت ترد على إدارات المؤسسات الجامعية أكثر من مراسلة رسمية في الموضوع، والتي يتم تحويلها مباشرة إلى الأساتذة عبر ممثليهم في الهياكل المنتخبة بمختلف أنواعها بيداغوجية وعلمية ونقابية، وكل هذه المراسلات تتعلق بتحسيسهم بأهمية الانخراط في ورش إعداد واعتماد الدروس الرقمية، وتحفيزهم ودعوتهم لتكثيف التواصل مع طلبتهم بكل الوسائل المتاحة؛ التنسيق المستمر والمتواصل مع منسقي مسالك التكوين ورؤساء الشعب والأجهزة النقابية للإسهام في إنجاح التعليم الافتراضي ومطالبتهم في إطار المقاربة التشاركية بالعمل على تمكين الإدارة بالدروس الورقية والصوتية والمرئية، والحضور إلى مؤسساتهم من أجل تسجيل وتصوير الدروس.

ومن بين التدابير أيضا ما يتصل بالجانب التنظيمي، ويقصد به عقد اجتماعات متواصلة على مستوى رئاسة الجامعة من جهة، ومستوى مؤسساتها من جهة ثانية بهدف التداول والتكوين: التداول في استراتيجية العمل وتوزيع المهام، ثم تكوين التقنيين والإداريين لمساعدة الأطر التربوية في القيام بمهامها التعليمية الرقمية.

كما تتجلى عملية التدبير التنظيمي أولا، في إحداث استوديوهات بجميع الكليات والمدارس وكذا برئاسة الجامعة ووضعها تحث تصرف السيدات والسادة الأساتذة، ثانيا، إعداد حسابات بمنصة مودل للأساتذة والطلبة والتتبع اليومي من أجل ضبط الاحصائيات، وإعداد وانتقاء الفيديوهات والأوديوهات، وتنظيم دورات  تكوينية حضورية في بداية تفشي الوباء، ثم افتراضية ابتداء من الأسبوع الثاني حيث تم تنظيم حلقات تكوينية ( ما يناهز 50 حلقة) لفائدة الأساتذة اللذين لم يسبق لهم التعامل بتقنيات التعلم عن بعد خاصة تقنية التداول بالفيديو وولوج منصة موودل.

3.   عنصر الانخراط الجماعي التلقائي

يتعلق هذا العنصر بتضافر جهود جميع مكونات الجامعة  ومؤسساتها من أساتذة وإداريين وتقنيين، وقد اصطلحنا عليه بالانخراط الجماعي التلقائي لأنه يجسد تلاحما استثنائيا يعبر عن ارادات تطوعية أكثر منها وجوبية لجميع المسؤولين والمتدخلين والشركاء والتي تعاطت بعفوية ومسؤولية مع رهانات عملية تأمين الاستمرارية البيداغوجية.

ولعل هذا التلاحم والتضافر الاستثنائيين هما ما جعل السيد رئيس الجامعة الأستاذ رضوان مرابط يوجه رسالة شكر امتنان للأساتذة وللطاقم الإداري،وكعادته التواصلية  العمومية، على صفحته الخاصة بموقع الفايسبوك، حيث نوه بمستوى الالتزام الذي أطهرته جميع أطر الجامعة والكليات والمدارس “لضمان الاستمرارية الأكاديمية والتربوية للمؤسسات وتقديم خدمات عالية الجودة لطلابنا، حيث أبانوا عن قدرتهم الممتازة على التفاعل والتكيف خلال هذه الفترة الاستثنائية”[3].

رابعا: الرهانات المستقبلية

إن الرهان الأول والأساس هو كما دعا إليه السيد رئيس الجامعة الأستاذ رضوان مرابط التعاطي الإيجابي للطلبة مع عملية التعليم عن بعد و”بذل الجهد والاطلاع على الموارد الرقمية والتواصل مع أساتذتهم والبقاء في منازلهم وعدم التنقل للمؤسسات”[4]؛ وهذا يعني من منطلق ضرورة تحصين المكتسبات وتطويرها وتمثل مهام كل فاعل جامعي تربوي أو إداري أو طلابي استمرار العملية البيداغوجية الرقمية وتطويرها وتجويدها.

playstore

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WeCreativez WhatsApp Support
فريق صفروبريس في الاستماع
مرحبا