المغرب

خمس سنوات عجاف.. وها هم يعودون من جديد لطلب اصوات المغاربة

مرت خمس سنوات عجاف على فئات واسعة من المغاربة، خمس سنوات عاش فيها المواطن البسيط وكأنه يخوض معركة يومية من اجل البقاء، فمنهم من انهكه الغلاء، ومنهم من انهكه المرض، ومنهم من انهكته البطالة، ومنهم من طحنه اجر لا يكاد يصمد الى منتصف الشهر، ومنهم من انهكه القهر والانتظار والاحساس بأن الحياة اصبحت سباقا لا تنتهي فيه المطالب بينما تتقلص فيه القدرة على الاستجابة لها. خمس سنوات كان المواطن خلالها يواجه الاسعار بجيبه، والمرض بقدرته المحدودة، والبطالة بصبره، فيما كانت الحكومة تقدم للمغاربة صورة اخرى تماما، صورة ملونة ومضيئة، تتحدث عن التقدم الاقتصادي، والنهضة الرياضية، والتطور الصناعي، والرواج السياحي، والدعم الاجتماعي، والتغطية الصحية، حتى يخيل لمن يتابع الخطاب الرسمي من بعيد أن البلاد تعيش حالة من الرفاه الشامل وأن المواطن لا ينقصه سوى المزيد من التصفيق.

لكن ما ان تقترب من الواقع وتزيل طبقة الالوان عن تلك الصورة حتى تظهر تفاصيل اخرى لا تشبه كثيرا ما يقال فوق المنصات. تظهر اسرة تحسب مصاريفها قبل ان تشتري حاجياتها، وام تحاول تدبير بيت وابناء بمدخول هزيل، ومريض يؤجل العلاج لان المرض لا ينتظر لكن الجيب لا يستطيع، وشاب يبحث عن عمل فلا يجد، وعامل يشتغل شهرا كاملا ثم يجد نفسه في مواجهة شهر جديد وكأن راتبه لم يمر من يده اصلا، وتظهر مدارس ومرافق صحية وخدمات عمومية ما زالت تطرح اسئلة ثقيلة حول الجودة والانصاف، ويظهر شباب يقطعون المسافات بحثا عن فرصة، وآخرون ينامون في ظروف قاسية من اجل عمل مؤقت او دخل محدود، بينما تواصل كلفة المعيشة الضغط على الجميع.

وتظهر ايضا المحروقات وهي تحتل مساحة كبيرة من ميزانية الاسرة، وتظهر المواد الاساسية وهي تتحول الى هاجس يومي، وتظهر فئات اجتماعية تشعر بأن ما يقال عن تحسن المؤشرات لا ينعكس بالسرعة نفسها على حياتها اليومية. وفي الجهة الاخرى من الصورة، تستمر لغة الارقام والاوراش والنجاحات، ويستمر المواطن في سماع عبارات من قبيل الاقتصاد الوطني، والرواج، والاستثمار، والدعم، والاصلاح، بينما يسأل هو سؤالا بسيطا لا يحتاج الى خبير اقتصادي للاجابة عنه: ماذا بقي في جيبي بعد ان ادفع ثمن الضروريات؟

وهنا تكمن المفارقة الكبرى، فليس المشكل في ان تنجز الدولة مشاريع كبرى او تحقق الرياضة المغربية نجاحات او تستقطب البلاد استثمارات او تعرف السياحة رواجا، فكل ذلك مكاسب ينبغي تثمينها، لكن المشكل يبدأ عندما تتحول هذه العناوين الكبرى الى غطاء يطلب من المواطن ان يضع تحته كل شكواه، وكأن المواطن مطالب بأن يفرح بالمؤشرات بينما هو عاجز عن تدبير تفاصيل حياته اليومية. المواطن لا يؤدي فاتورة الكهرباء بمعدل النمو، ولا يشتري الدواء بمؤشر الاستثمار، ولا يملأ ثلاجة منزله بحديث عن الرواج السياحي، ولا يرسل ابناءه الى المدرسة بشعارات النهضة الاقتصادية. المواطن يريد ان يشعر بأن التنمية وصلت الى حياته، لا ان يسمع فقط انها وصلت الى التقارير.

والان، بعد خمس سنوات، تعود الوجوه نفسها او وجوه قريبة منها، وتعود معها اللافتات والابتسامات والميكروفونات والشعارات والوعود. تعود الحملة الانتخابية وكأن شيئا لم يحدث، وكأن السنوات الخمس الماضية لم تكن موجودة، وكأن المواطن لا يتذكر ما قيل له في الحملة السابقة، ولا يتذكر ما وعد به، ولا يتذكر ما تحقق وما لم يتحقق. تعود الصور الى الشوارع والازقة، وتعود العبارات نفسها بلباس جديد، ويطلب من المواطن مرة اخرى ان يمنح صوته لمن يريد خمس سنوات اخرى.

لكن السؤال الذي ينبغي ان يسبق كل سؤال انتخابي هو: ماذا فعلتم خلال السنوات الخمس الماضية؟

ليس ماذا ستفعلون، بل ماذا فعلتم؟

فالذي يطلب ثقة المواطن من جديد لا يكفيه ان يرفع صوته في الميكروفون، ولا ان يبتسم امام الكاميرا، ولا ان يوزع الوعود في التجمعات، بل عليه ان يقدم الحساب. عليه ان يقول للمواطن بوضوح ماذا وعده به قبل خمس سنوات، وماذا انجز، وماذا لم ينجز، ولماذا لم ينجز، ومن يتحمل المسؤولية عن كل ما تعثر. اما ان يعود السياسي بعد خمس سنوات ليبيع المستقبل للمواطن نفسه الذي عاش الماضي، فذلك يعني ببساطة ان المطلوب من الناخب ان ينسى قبل ان يصوت.

والاغرب من ذلك ان بعض من كانوا في موقع المسؤولية او قريبين منه يعودون اليوم بثوب سياسي مختلف، وقد يغير بعضهم الحزب او الشعار او اللون، وكأن تغيير القميص السياسي يمحو الذاكرة. لكن المواطن لا يصوت للالوان وحدها، ولا يعيش داخل الشعارات. المواطن يرى الوجوه ويتذكرها، ويتذكر من كان يتحدث باسم تحسين القدرة الشرائية، ومن كان يعد بتوفير فرص الشغل، ومن كان يتحدث عن الصحة والتعليم، ومن كان يقدم الوعود الكبيرة، ثم يقارن بين ما سمعه وما عاشه.

خمس سنوات ليست يوما انتخابيا حتى تمحى تفاصيلها بانتهاء المهرجان. خمس سنوات تعني خمس سنوات من فواتير، وخمس سنوات من مصاريف، وخمس سنوات من انتظار فرص العمل، وخمس سنوات من العلاج والدراسة والتنقل والبحث عن الاستقرار. ولهذا لا يمكن ان يطلب من المواطن ان يضع كل ذلك جانبا لمجرد ان المرشح عاد بابتسامة جديدة ولافتة جديدة وميكروفون جديد.

لقد مل المواطن من السياسي الذي يتذكره فقط عندما يحتاج الى صوته، ثم ينساه عندما تنتهي صناديق الاقتراع. مل المواطن من الخطابات التي تبدأ قبل الانتخابات باسابيع وتنتهي بمجرد اغلاق مكاتب التصويت. مل من الوعود التي تكون سخية في الحملة الانتخابية ثم تصبح شحيحة عندما يصبح الامر متعلقا بالتنفيذ. ومل من السياسي الذي يكتشف المواطن فجأة في موسم الانتخابات، فيصافحه ويعده ويستمع الى مشاكله، ثم يعود بعد انتهاء الانتخابات الى عالم آخر لا تصل اليه حرارة الصيف ولا ضجيج الاسواق ولا ثقل فواتير الحياة.

المايكروفونات ستصدح خلال الايام المقبلة، واللافتات ستملأ الشوارع، والابتسامات ستظهر في كل زاوية، والوعود ستتسابق على المنصات، لكن المواطن سيعود في نهاية كل يوم الى منزله، وستعود معه الاسئلة نفسها: كيف سأدبر الشهر؟ كيف سأؤدي فاتورة الماء والكهرباء؟ ماذا عن الدواء؟ ماذا عن العمل؟ ماذا عن مستقبل الابناء؟ وماذا عن الاسعار التي لا تنتظر نهاية الحملات الانتخابية؟

وهنا لا بد من القول بوضوح إن الانتخابات ليست مناسبة لتجميل الماضي، بل مناسبة لمحاسبته. ومن حق المواطن ان يستمع الى المرشح، لكن من حقه ايضا ان يحاسبه. ومن حق السياسي ان يطلب الصوت، لكن من حق الناخب ان يسأله عن السنوات التي مضت قبل ان يسأله عن السنوات التي يريدها.

فبأي وجه يعود من لم يستطع اقناع المواطن خلال خمس سنوات بأنه قريب من معاناته، ثم يطلب منه ان يمنحه خمس سنوات اخرى؟ وبأي منطق يعاد تقديم الوعود نفسها للمواطن نفسه، وكأن الذاكرة الشعبية قصيرة الى هذا الحد؟ وبأي وجه يتحول الفشل السياسي، حين يقع، الى مجرد محطة عابرة يتم تجاوزها بتغيير الشعار او الحزب او صورة الحملة؟

المواطن ليس صندوق اقتراع يمتلئ مرة كل خمس سنوات، وليس رقما يضاف الى مجموع الاصوات، وليس ديكورا انتخابيا يصفق للمرشح. المواطن هو صاحب الحق في السؤال، وصاحب الحق في المحاسبة، وصاحب الحق في ان يقول لمن يطلب صوته: قبل ان تحدثني عن الغد، تحدث معي عن الامس.

فمن اراد خمس سنوات جديدة، عليه ان يقدم حساب خمس سنوات مضت. ومن اراد ثقة جديدة، عليه ان يشرح ماذا فعل بالثقة السابقة. ومن اراد صوت المواطن، عليه ان يتحمل ذاكرة المواطن.

لان اللافتات يمكن تغييرها، والشعارات يمكن تبديلها، والاحزاب يمكن الانتقال بينها، والصور يمكن اعادة طباعتها، لكن حياة المواطن ليست ورقة انتخابية يمكن تمزيقها بعد انتهاء الحملة.

خمس سنوات مرت، والمواطن عاشها بكل تفاصيلها، ولذلك لن يكون السؤال الحقيقي هذه المرة: ماذا تعدوننا؟

السؤال سيكون اكثر قسوة: ماذا فعلتم عندما كانت لديكم الفرصة؟

ومن لا يملك جوابا مقنعا عن السنوات الخمس الماضية، لن تنقذه كثرة الميكروفونات، ولا ضخامة اللافتات، ولا كثرة الوعود، ولا تغيير لون الحزب.
لأن المواطن الذي عاش خمس سنوات كاملة لا يمكن اختزاله في خمس دقائق من التصفيق الانتخابي.

بقلم: يوسف المسكين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى