حين تصدر الوطنية في الخطب وتستثمر في الخارج: أسئلة محرجة لنظام العسكر بالجزائر

لا يتوقف الخطاب الرسمي في الجزائر عن الحديث عن “المؤامرات الخارجية” و“الأعداء المتربصين بالوطن”، ولا عن استدعاء لغة التعبئة الوطنية كلما ضاقت السبل الاقتصادية أو اشتد الاحتقان الاجتماعي. غير أن المفارقة الصارخة تكمن في الهوة الواسعة بين ما يُقال للشعب الجزائري، وما يُمارَس فعليًا داخل دوائر السلطة والنفوذ.
ففي الوقت الذي يُطلب فيه من الجزائري البسيط شدّ الحزام، والصبر باسم السيادة والوطنية، تتناقل وسائل إعلام ومعطيات متداولة أخبارًا عن حصول مهى بنت عبد المجيد تبون على الجنسية التركية، وعن ارتباطها باستثمارات عقارية في منتجع أنطاليا السياحي جنوب تركيا، إلى جانب تخطيطها للاستقرار هناك بشكل دائم. معطيات، إن صحت، تفتح بابًا واسعًا للتساؤل السياسي والأخلاقي.
السؤال الجوهري هنا ليس قانونيًا، فالتنقل والاستثمار حقان مشروعان لأي فرد، بل هو سؤال سياسي بامتياز: كيف تُفهم الوطنية عندما تصدَّر للشعب كواجب تضحية، بينما تُمارَس داخل النخبة الحاكمة كخيار انتقائي؟ كيف يُقنع النظام الجزائري مواطنيه بخطاب “العدو الخارجي” وهو عاجز عن إقناع أقرب محيطه بالاستثمار في الوطن نفسه؟
لطالما اعتمد نظام العسكر في الجزائر على استراتيجية قديمة متجددة: اختلاق أعداء دائمين، ورفع منسوب التوتر الإقليمي، لتحويل الأنظار عن الأزمات الحقيقية؛ من تدهور القدرة الشرائية، إلى انسداد الأفق السياسي، وغياب مشروع تنموي حقيقي. وحين يفشل هذا الخطاب في توفير أبسط شروط العيش الكريم، يصبح التخويف بديلاً عن الإصلاح، والشعارات بديلاً عن المحاسبة.
إن الوطنية، في معناها البسيط، لا تُقاس بالخطب ولا بالبيانات النارية، بل بالثقة في الوطن، والاستثمار فيه، وربط المصير الشخصي بمصير الشعب. وعندما يختار أبناء المسؤولين وجهات آمنة ومستقرة خارج البلاد، فإنهم يبعثون برسالة غير معلنة لكنها بالغة الدلالة: الوطن صالح للشعارات لا للعيش.
قد ينجح النظام الجزائري مؤقتًا في إلهاء الرأي العام بصراعات مفتعلة، لكنه يعجز عن إسكات سؤال واحد يتردد بقوة في الشارع: إذا كانت الجزائر “قوة إقليمية” كما يُروَّج، فلماذا يهرب أبناؤها، وخاصة أبناء السلطة، إلى مستقبل آخر خارجها؟




