حكم الثعالب… حين تدير أمريكا وإسرائيل المسرحية

في الشرق الأوسط، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه كل يوم، لكن هذه المرة بأسلوب مسرحي دولي، حيث أمريكا وإسرائيل هما المخرجان الكبيران، يضعان الخطوط العريضة، يحددون من يبدأ ومن ينتهي، ويشعلون الحرب وكأنها مشهد تمثيلي يجب أن يُشاهد، بينما إيران ودول الخليج هم من يدفعون الفاتورة على أرض الواقع، يعيشون القصف والدمار ويُرغمون على تحمل تبعات قرارات لم يتخذوها، وكأنهم ممثلون مضطرون، لا يُسمح لهم بالاعتراض، وكل حركة لهم محسوبة بدقة على المسرح الكبير الذي لا يرحم.
أوروبا، كما يبدو، تتفرج من بعيد، تتابع الأخبار، تكتب بيانات شجب وتصريحات دبلوماسية، وربما تُصدر عقوبات رمزية، لكنها لا تتحرك، وكأنها حاضر غائب في المسرحية، تراقب فقط كيف تتقاذف الثعالب العرب بعضها ببعض، وتكتفي بالتصفيق أو التنديد عند الحاجة، بينما الجمهور الحقيقي—الشعوب العربية—يقف مشوشًا بين الصدمة واليأس، يراقب الأحداث تتكشف أمامه وكأنها لعبة شطرنج كبيرة لا يفهم قواعدها، وبين الضحك والبكاء، يكتشف أن التاريخ نفسه يسخر من جهل الأمّة وغفلتها.
الحقيقة المرة أن العرب، رغم كل التاريخ، ما زالوا في موقع المراقب أكثر من الفاعل، يختلط فيهم الغضب بالصمت، والقوة بالانكسار، والأمل بالإحباط، بينما الثعالب الكبرى—أمريكا وإسرائيل—تبتسم على استغلال هذا الواقع، تحرك الأحداث، تشعل الصراعات، وتترك الفوضى تنتشر، وكأن كل شيء مدروس مسبقًا، وكأن الحرب ليست إلا وسيلة لاختبار الضعف وتحقيق المكاسب، وكل انفجار، وكل صاروخ، وكل ضربة اقتصادية أو إعلامية، هي جزء من الحسابات الكبرى التي لا يرى تفاصيلها سوى من يملك السلطة ويحدد من يدفع الثمن ومن يشاهد.
وفي هذا المشهد، تصبح العبارة القديمة صحيحة أكثر من أي وقت مضى: “أمة ضحكت من جهلها الأمم”، لأن التاريخ يعيد نفسه، والأخطاء نفسها تتكرر، والضحايا هم دائمًا أولئك الذين يثقون بالقادة غير الفاعلين، الذين يراقبون ولا يتحركون، بينما الثعالب الكبرى تبتسم وتخطط وتستفيد، والحرب تتوالى، والدم يُسكب، والخرائط تتغير، وكأن الشرق الأوسط كله أصبح لوحة شطرنج دولية تُلعب فوق ظهور الأبرياء، دون أن تتوقف المسرحية إلا عند رضا المخرجين عن النتائج.




