قراءة نقدية في بيان التنسيق النقابي للمختصين بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة: في حدود الأدوار بين الترافع النقابي والتقويم البيداغوجي

أثار بيان نقابي مؤخراً جدلاً حول طبيعة “الوضعيات الاختبارية” الخاصة بتصديق مجزوءات التكوين بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، معتبراً إدراج المختص التربوي في سياقات سلبية بمثابة “إساءة للإطار”. إلا أن القراءة العلمية الهادئة لهذه المحطات التقويمية تكشف عن بون شاسع بين المنطق البيداغوجي الصرف وبين المنطق النقابي الاستقطابي.
بداية لا يختلف اثنان حول مشروعية الدور النقابي في الدفاع عن كرامة الفئات المهنية وصون مكانتها داخل المنظومة التربوية، فالنقابة وجدت أصلاً لتكون صوتاً للشغيلة التعليمية ترفع مظالمها وتدافع عن حقوقها. غير أن هذا الدور المشروع يفقد توازنه ومصداقيته حين يتحول إلى تدخل مباشر في مجالات مؤسساتية دقيقة، وعلى رأسها مجال التكوين التربوي التأهيلي الذي يخضع لمنطق بيداغوجي وقانوني صرف.
ويبرز البيان الصادر عن التنسيق النقابي للمختصين التربويين والاجتماعيين بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة كتجسيد لهذا التدخل غير الموفق. فبدل الاكتفاء بالتعبير عن تحفظ مهني، ذهب نحو إصدار أحكام قطعية على مضمون امتحان تكويني تخصصي بسلك أطر الإدارة التربوية، بل وتجاوز ذلك إلى المطالبة بمراجعة مضامين التكوين نفسها.
إن هذا الموقف يضعنا أمام تساؤل جوهري حول الجهة التي تملك حقاً سلطة تحديد مضامين التكوين والتقويم، فالتكوين ليس مجالاً للتفاوض النقابي أو الاستقطاب الفئوي، بل هو مجال بيداغوجي مؤطر بمرجعيات علمية ومؤسساتية تشرف عليه هيئات متخصصة ولجان جهوية مستقلة. وحين تنصب النقابة نفسها جهة تُقيّم الاختبارات وتطالب بتعديلها، فإنها تنتقل عملياً من موقع الشريك الاجتماعي إلى موقع الوصاية على التكوين. ولو سُمح لكل فئة نقابية بالاعتراض على كل وضعية اختبارية لا توافق تمثلاتها الذاتية، لتحولت برامج التكوين إلى ساحة شد وجذب بين الحساسيات المهنية، ولضاع الهدف الأسمى المتمثل في تطوير الكفايات والمهارات المهنية وفق معايير موضوعية.
وبالنظر إلى المرجعية القانونية المؤطرة، نجد أن “دليل التقويم بسلك تكوين أطر الإدارة التربوية (2025-2027)” يحسم هذا الجدل بوضوح؛ حيث ينص على أن التقويم يهدف إلى قياس درجة تملك الطلبة للكفايات المهنية من خلال “وضعيات اختبارية مركبة”. هذه الوضعيات تنطلق بالضرورة من مشكلات وعوائق افتراضية مستمدة من إشكالات تدبيرية واقعية في إطار المهننة لقياس مدى قدرة المتكون على التعاطي مع المواقف المهنية المعقدة. إن تقديم أي فاعل تربوي -سواء كان أماًمهملة أو تلميذاً مشاغبا أو مديراً يستعمل الشطط في تدبير المؤسسة في وضعية تتضمن خللاً مهنياً ليس بالضرورة انعكاساً لموقف سلبي من الإطار ككل، بل هو حامل بيداغوجي يحدد السياق والمهام لاستثارة الكفاية التدبيرية لدى المدير المتدرب.
من هنا، يظهر الخلط الخطير في البلاغ النقابي الذي لم يفرق بين المستوى البيداغوجي التكويني الذي يحكمه البعد التأهيلي، وبين المستوى النقابي الذي قد تحكمه هواجس الانتخابات والبحث عن الاستقطاب الفئوي مع قرب محطات اللجان الثنائية متساوية الأعضاء. فالوضعية التقويمية هي تمرين ذهني وتحليلي يضع المتدرب أمام عائق يختبر قدرته على الحل والوساطة، بينما القراءة النقابية الضيقة تعاملت مع “الشخصية الافتراضية” في الاختبار كإساءة للكرامة الاعتبارية، وهو ما ينم عن حساسية مفرطة تجاه النقاش البيداغوجي الواقعي.
إن حماية كرامة الأطر المختصة، وهم في نهاية المطاف أبناؤنا وطلبتنا، لا تكون عبر “بيداغوجيا الترضيات” أو محاولة فرض رقابة نقابية على محتوى الاختبارات، بل تكون عبر تكوين أطر إدارة تربوية متمكنة قادرة على الإنصاف والتدبير العقلاني بناءً على معايير “الملاءمة” و”الانسجام” و”القابلية للإنجاز” التي يسطرها دليل التقويم. إن الفرق بين تطوير التكوين وإخضاعه لميزان الحساسية النقابية هو الفرق بين منظومة تربوية تتقدم بمنطق المهننة، ومنظومة تتجاذبها الحسابات الفئوية، مما يستوجب الحفاظ على المسافة الضرورية بين العمل النقابي النبيل وبين الاستقلالية البيداغوجية للمؤسسات التكوينية.
الدكتور أحمد مزهار، أستاذ التعليم العالي بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بجهة فاس مكناس ورئيس المنتدى الوطني للتعليم العالي والبحث العلمي فرع فاس




