العالم

بين موكبين: عندما تفضح خطوط الطريق فلسفة التسيير


لم يكن مرور موكب عبد المجيد تبون صباح يوم العيد في اتجاه جامع الجزائر حدثا عاديا، ولا حتى استثنائيا من حيث البروتوكول، لكن ما سرق الأضواء لم يكن السيارات الرسمية ولا الترتيبات الأمنية، بل شيء أكثر بساطة… وأشد دلالة: الطريق نفسها.
خطوط السير التي يفترض أن تعكس النظام والانضباط بدت وكأنها مرسومة على عجل، بشكل عشوائي يفتقد لأبسط معايير الدقة. مشهد بسيط في ظاهره، لكنه كافٍ لإشعال موجة من السخرية على مواقع التواصل، حيث تساءل كثيرون: كيف يعقل أن تمر أعلى سلطة في البلاد من طريق غير مضبوطة حتى في تفاصيلها التقنية؟ هل الأمر مجرد إهمال عابر، أم أنه انعكاس لصورة أعمق؟
في المقابل، حين يُذكر الموكب الملكي في المغرب، لا يُستحضر فقط حجم التنظيم، بل أيضا العناية المفرطة بالتفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، حيث تتحول الطرق إلى فضاء منضبط يعكس هيبة الدولة ودقة مؤسساتها. هنا لا يتعلق الأمر بالفخامة بقدر ما يتعلق بالانسجام: كل شيء في مكانه، كل خط مرسوم بعناية، وكل حركة محسوبة.
الفرق بين المشهدين ليس تقنيا فقط، بل يكاد يكون فلسفيا. في الحالة الأولى، يظهر الارتجال كقاعدة، وكأن التفاصيل لا تستحق الانتباه، بينما في الحالة الثانية، تتحول التفاصيل إلى عنوان للرؤية العامة. فالدولة التي تهمل خطا على الطريق، قد لا تتردد في إهمال ما هو أكبر، والعكس صحيح.
ولعل أكثر ما أثار الجدل ليس فقط سوء طلاء الطريق، بل الرمزية التي حملها المشهد: موكب رسمي يسير فوق خطوط غير مستقيمة، وكأنه يلخص مسارا كاملا من التسيير المرتبك. هنا تصبح السخرية مفهومة، بل وحتى مبررة، حين تتحول “هيبة الدولة” إلى لقطة قابلة للتداول على شكل نكتة.
“كَوَرْ واعْطِي لَعْوَرْ” لم تعد مجرد عبارة ساخرة، بل توصيفا دقيقا لحالة يبدو فيها أن الأمور تُدار بمنطق الترقيع لا التخطيط، وبعقلية السرعة لا الجودة.
شتان بين الثرى والثريا… بين مشهد يحاول أن يبدو رسميا فيسقط في تفاصيله، ومشهد آخر يفهم أن الهيبة تُبنى من أصغر الجزئيات قبل أكبر العناوين. ففي النهاية، قد لا يتذكر الناس عدد السيارات في الموكب، لكنهم حتما سيتذكرون الخط الذي كان ينبغي أن يكون مستقيما… ولم يكن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى