بعد مأساة أودت بحياة 22 شخصًا… القضاء يفتح ملف مسؤولية البناء العشوائي في فاس

لم تكن كارثة انهيار العمارتين السكنيتين بحي المسيرة بمدينة فاس مجرد حادث عرضي، بل تحولت إلى ملف قضائي ثقيل يكشف حجم الاختلالات التي قد ترافق بعض مشاريع البناء والتعمير عندما تغيب المراقبة ويُستهان بالقانون.
فقد أحال الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بفاس 19 شخصًا على غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بالجرائم المالية، للاشتباه في تورطهم في سلسلة من التجاوزات التي يُعتقد أنها ساهمت في وقوع الفاجعة التي أودت بحياة 22 شخصًا وخلفت 16 مصابًا.
ويضم الملف مسؤولين ومنتخبين وموظفين جماعيين ومقاولين ومالكي البنايتين، في إشارة إلى أن التحقيقات لم تقتصر على المنفذين، بل امتدت إلى مختلف الأطراف التي كان يفترض أن تراقب وتحمي سلامة المواطنين.
وبحسب المعطيات المتداولة، كشفت الخبرات التقنية عن مخالفات خطيرة، من بينها تشييد طوابق إضافية دون ترخيص، واستعمال مواد بناء غير مطابقة للمواصفات، وإبرام معاملات ووثائق إدارية خارج الإطار القانوني، وهي ممارسات تثير تساؤلات حول مدى احترام قوانين التعمير وآليات المراقبة.
ولا يتعلق الأمر فقط بتحديد المسؤوليات الجنائية، بل أيضًا بطرح سؤال أكبر: كيف تمكنت هذه المخالفات من الاستمرار إلى أن انتهت بكارثة إنسانية بهذا الحجم؟ وهل كانت أجهزة المراقبة تؤدي دورها بالشكل المطلوب، أم أن هناك اختلالات سمحت باستمرار البناء المخالف؟
وينتظر الرأي العام أن تكشف جلسات المحاكمة جميع ملابسات القضية، وأن تحدد المسؤوليات وفق ما ستثبته التحقيقات والقضاء، بما يضمن حقوق الضحايا وذويهم، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن سلامة المواطنين ليست مجالًا للتهاون أو التجاوز.
لقد كانت أرواح 22 ضحية الثمن الأغلى لهذه الفاجعة، ويبقى الأمل أن تشكل هذه القضية محطة لتعزيز الرقابة على قطاع التعمير، وتطبيق القانون بحزم، حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي التي تهز المجتمع وتخلف جراحًا لا تندمل.




