العالمالمغرب

المغرب بأبوظبي.. مقاربة قضائية تتوسع من ملاحقة الجريمة إلى تجفيف منابعها

شكل مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، المنعقد بأبوظبي بين 26 شتنبر و1 أكتوبر 2026، مناسبة لاستعراض التجربة المغربية في مواجهة التحولات التي تعرفها الجريمة المنظمة، من الإرهاب والاتجار بالبشر إلى الجرائم المالية والسيبرانية والاعتداءات على البيئة.

وتقوم المقاربة التي قدمها المغرب على الانتقال من التعامل مع الجريمة باعتبارها فعلا منفردا إلى تفكيك الشبكات والآليات التي تسمح باستمرارها، من خلال الجمع بين البحث القضائي، والتنسيق الأمني، وحماية الضحايا، وتتبع العائدات غير المشروعة. ويبرز هذا التوجه بشكل خاص في مكافحة الاتجار بالبشر، عبر الجمع بين الوقاية وحماية الضحايا والمتابعة القضائية والتعاون الدولي، إلى جانب تطوير آليات التعرف على الضحايا والتكفل بهم.

وفي ملف الإرهاب، يبرز اعتماد مقاربة متعددة المستويات لا تقتصر على الجانب الزجري، وإنما تشمل الوقاية وإعادة التأهيل والإدماج. كما يشمل المسار القضائي مكافحة تمويل الجريمة والفساد وغسل الأموال، من خلال تتبع الأموال المشبوهة وتجميدها وحجزها ومصادرتها، وربط التحقيقات الجنائية بالتحقيقات المالية، باعتبار أن الوصول إلى مصادر التمويل يمثل جزءا أساسيا من تفكيك الشبكات الإجرامية.

وتفرض التحولات التكنولوجية بدورها تحديات جديدة، بعدما أصبحت الوسائل الرقمية حاضرة في الاحتيال والابتزاز وغسل الأموال والاتجار بالبشر، فضلا عن الجرائم السيبرانية المباشرة. وفي مواجهة ذلك، اتجه المغرب إلى تعزيز الإطار القانوني والتكويني المرتبط بالجريمة المعلوماتية والدليل الإلكتروني، بالتوازي مع تطوير التعاون الدولي في هذا المجال. أما على المستوى البيئي، فقد دخلت الجرائم المرتبطة بالموارد الطبيعية والسلامة البيئية ضمن دائرة الاهتمام القضائي، مع تسجيل آلاف القضايا خلال سنة 2025.

وتكشف هذه المعطيات عن اتساع مفهوم العدالة الجنائية في المغرب، من مجرد معاقبة مرتكبي الأفعال الإجرامية إلى الوقاية منها، وحماية الضحايا، وتجفيف مصادر تمويلها، وملاحقة آثارها الرقمية والمالية والبيئية. كما يبرز البعد الدولي في هذه المقاربة من خلال الانخراط في شبكات استرداد الأصول، وتبادل الخبرات، وتعزيز التعاون مع المؤسسات الدولية، بما يجعل مواجهة الجريمة العابرة للحدود مرتبطة بشكل متزايد بقدرة الدول على تنسيق جهودها وتبادل المعلومات والخبرات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى