معاناة العالم القروي: حين يتحول الطريق إلى أول عائق أمام حق التمدرس

يجسد مشهد تلاميذ يقطعون مسافات طويلة وسط طرق وعرة ومهترئة، يوميا، واحدة من أقسى صور التهميش التي ما تزال تعاني منها مناطق واسعة من العالم القروي بالمغرب. فقبل الحديث عن إصلاح المنظومة التعليمية أو الترويج لبرامج مدرسية جديدة، تفرض أسئلة الواقع نفسها بإلحاح: كيف لطفل أن يتعلم وهو يصل إلى مدرسته منهكا، مبلل الثياب، مثقل الجسد، بعد رحلة شاقة لا تراعي كرامته ولا حقه في تعليم لائق؟
إن معاناة تلاميذ القرى لا تبدأ داخل الفصول الدراسية، بل تنطلق من الطريق المؤدية إليها. طرق غير معبدة، منعدمة في بعض المناطق، تتحول في فصل الشتاء إلى أوحال، وفي الصيف إلى مسالك غبارية خطيرة. ومع ذلك، يواصل الأطفال رحلتهم اليومية نحو المدرسة، حاملين محافظ خفيفة في محتواها الثقافي، لكنها ثقيلة بما تحمله من تعب ومعاناة.
ورغم الظروف القاسية، فإن الغالبية الساحقة من الأسر القروية لم تحرم أبناءها من حقهم في التمدرس بسبب الفقر أو قلة الإمكانيات، بل اختارت التشبث بالأمل، حتى وإن لم يتجاوز الدعم المدرسي في بعض الحالات بضع مئات من الدراهم. غير أن السؤال الجوهري يظل مطروحا: ماذا يمكن لطفل أن يستوعب داخل القسم، وهو يصل متعبا، مرتجفا من البرد، وقد قضى ساعات في التنقل عبر مسالك غير إنسانية؟
في المقابل، يكتفي بعض المسؤولين المحليين بخطابات موسمية وشعارات فضفاضة، تستحضر فقط مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. وعود بالإصلاح، دموع أمام الكاميرات، وأقسام مغلظة لا تجد طريقها إلى التنفيذ، فيما تبقى معاناة الساكنة القروية مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
إن الحديث عن محاربة الهدر المدرسي يظل ناقصا ومجتزأ، ما لم يقترن بإصلاح حقيقي للبنيات التحتية الأساسية، وفي مقدمتها الطرق، والنقل المدرسي، والمرافق الصحية. فلا يمكن تحميل التلميذ أو أسرته مسؤولية الانقطاع عن الدراسة، في حين تترك القرى دون حد أدنى من شروط العيش الكريم.
وقبل إطلاق أي برامج تعليمية جديدة أو مشاريع إصلاحية، يبقى إنصاف أبناء العالم القروي ضرورة وطنية ملحة، تبدأ بالاعتراف بمعاناتهم، وتترجم بسياسات عمومية عادلة تعيد للمدرسة معناها، وللطريق وظيفتها، وللطفل حقه الكامل في التعلم داخل ظروف إنسانية تحفظ كرامته ومستقبله.





