لماذا تتسع مسافة الأحزاب مع الأحرار؟ بنعبد الله يفتح ملف التحالفات المقبلة

لم يعد الحديث عن التحالفات السياسية في المغرب مؤجلا إلى ما بعد ظهور نتائج الانتخابات، بل بدأ مبكرا، ومعه بدأت بعض الأحزاب ترسم حدودها السياسية وتحدد، بشكل صريح أو ضمني، من يمكن أن تلتقي معه ومن يصعب عليها العودة إلى التحالف معه.
وفي هذا السياق، جاء موقف محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، ليضع التجمع الوطني للأحرار في دائرة الأحزاب التي يستبعد حزبه التحالف معها، مؤكدا أن “لا يمكننا أن نضع أيدينا مع مكونات حاربنا توجهها على مدى خمس سنوات”.
هذا التصريح لا يمكن فصله عن موقع التقدم والاشتراكية خلال الولاية الحكومية المنتهية، إذ اختار الحزب المعارضة، وبنى جزءا من خطابه على انتقاد اختيارات الحكومة في عدد من الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. لذلك فإن الانتقال من المعارضة إلى التحالف مع المكون الذي قاد الحكومة قد يطرح، بالنسبة للحزب، سؤال الانسجام بين مواقفه السابقة وخياراته المقبلة.
لكن السؤال الأوسع هو: لماذا أصبح التجمع الوطني للأحرار تحديدا موضوعا حساسا في حسابات التحالفات؟
الجواب الأول يرتبط بكون الأحرار قادوا الحكومة الحالية، وبالتالي فإن أي تقييم سياسي للسنوات الخمس الماضية يضع الحزب في قلب النقاش. بنعبد الله لا يتحدث فقط عن خلاف انتخابي عابر، بل يربط موقفه بممارسات وسياسات قال إن حزبه عارضها طوال الولاية. كما أعلن التقدم والاشتراكية، في تقديم برنامجه الانتخابي، عن رغبته في إحداث “قطيعة” مع اختيارات الحكومة المنتهية، ما يجعل التحالف معها في صيغتها السابقة أمرا سياسيا صعب التبرير بالنسبة إلى الحزب.
لكن الأمر لا يتعلق فقط بالتقدم والاشتراكية. فقد أصبحت تجربة التحالف الحكومي نفسها موضوعا للنقاش بين عدد من الفاعلين السياسيين، خصوصا مع اقتراب موعد الانتخابات. فالحكومة الحالية جمعت التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، وبالتالي فإن تقييم هذه التجربة يضع الأحزاب الثلاثة أمام مسؤولية سياسية مشتركة بدرجات مختلفة، سواء من موقع القيادة الحكومية أو المشاركة فيها.
وهنا تظهر مفارقة التحالفات المغربية: الأحزاب قد تختلف بشدة خلال الانتخابات، وقد تتبادل الانتقادات، لكنها بعد ظهور النتائج تجد نفسها أمام حسابات جديدة تفرضها موازين القوى وعدد المقاعد والبرامج الممكن التوفيق بينها.
ولهذا فإن رفض بنعبد الله للتحالف مع الأحرار لا يعني بالضرورة أن المشهد السياسي برمته يتجه نحو القطيعة مع الحزب. فحتى بنعبد الله نفسه سبق أن أوضح أن محدد التحالفات الحكومية ينبغي أن يرتبط بالبرامج والالتزامات، وليس بالأشخاص وحدهم، وأن مشاركة حزبه في الحكومة المقبلة مشروطة بتصحيح المسار الحالي.
غير أن موقفه الأخير يضيف عنصرا جديدا إلى المعادلة، وهو أن بعض الأحزاب لم تعد تنظر إلى التحالف باعتباره مجرد اتفاق لتشكيل أغلبية، بل تربطه أيضا بما تسميه الانسجام السياسي والأخلاقي مع مواقفها السابقة.
وهنا يمكن فهم لماذا قد تتردد أحزاب معارضة في الدخول في تحالف مباشر مع حزب قاد الحكومة التي انتقدتها لسنوات. فالتحالف ليس فقط توزيع حقائب ومواقع، وإنما يحتاج أيضا إلى سردية سياسية تستطيع الأحزاب تقديمها إلى ناخبيها: لماذا انتقدنا هذا الحزب طوال خمس سنوات ثم قررنا العمل معه في اليوم التالي للانتخابات؟
في المقابل، فإن السياسة لا تقوم فقط على الخصومة الانتخابية. فإذا أفرزت صناديق الاقتراع نتائج لا تسمح لحزب واحد أو مجموعة محددة بتشكيل أغلبية مريحة، فإن البرامج والالتزامات قد تصبح عاملا حاسما في إعادة ترتيب العلاقات بين الأحزاب.
وهذا يعني أن عبارة “لا تحالف مع الأحرار” ينبغي قراءتها ضمن سياقها الزمني والسياسي الحالي، وليس باعتبارها بالضرورة قاعدة ثابتة لكل مرحلة لاحقة. فهي، في حالة التقدم والاشتراكية، تعكس موقفا معلنا تجاه تجربة حكومية بعينها، وتجاه مكونات قادتها، أكثر مما تقدم وحدها صورة كاملة عن خريطة التحالفات المقبلة.
والأهم أن النقاش يكشف تحولا في طبيعة السؤال السياسي. فقبل سنوات كان السؤال الأساسي هو: من سيشكل الحكومة؟ أما اليوم، فأصبح هناك سؤال آخر يسبق ذلك: على أي أساس ستتشكل الحكومة؟ هل سيكون المحدد هو التقارب البرنامجي، أم الخصومة السابقة، أم الحسابات العددية، أم مزيج من كل ذلك؟
في النهاية، لن تحسم التصريحات وحدها خريطة التحالفات. الانتخابات ستفرز أرقاما، والأرقام ستفرض بدورها مفاوضات جديدة. وقد تتحول مواقف اليوم إلى خطوط حمراء غدا، وقد تفرض النتائج مراجعة بعض الحسابات.
لكن موقف بنعبد الله يكشف شيئا واضحا: مرحلة ما بعد الانتخابات لن تكون مجرد بحث عن أغلبية عددية، بل ستكون أيضا اختبارا لقدرة الأحزاب على تفسير تحالفاتها للناخبين، والحفاظ في الوقت نفسه على الحد الأدنى من الانسجام بين خطاب المعارضة وممارسة الحكم.
فالسؤال الحقيقي لن يكون فقط: من سيتحالف مع من؟
بل سيكون: هل تستطيع الأحزاب أن تبني تحالفاتها المقبلة على أساس برامج واضحة، بحيث يعرف المواطن لماذا اجتمعت هذه الأحزاب معا، وماذا تريد أن تفعل عندما تصل إلى الحكومة؟




