المغرب

التسلح الذكي ورسائل ما وراء الصفقة: لماذا تعمّق واشنطن شراكتها الدفاعية مع الرباط؟


لم يكن إخطار وزارة الدفاع الأميركية للكونغرس بالموافقة على تزويد المغرب بذخائر جوية ذكية مجرد إجراء تقني في سياق صفقات السلاح، بقدر ما يعكس تحوّلًا نوعيًا في موقع الرباط داخل الحسابات الاستراتيجية لواشنطن، خصوصًا في منطقة شمال إفريقيا التي تعرف إعادة ترتيب هادئة لموازين القوة والنفوذ.
الصفقة، التي تشمل ذخائر عالية الدقة تُستخدم في العمليات ذات الحساسية المرتفعة، تأتي في لحظة دولية تتسم بتراجع اليقين الأمني، وبتزايد اعتماد القوى الكبرى على شركاء إقليميين يتمتعون بالاستقرار والقدرة على الضبط، بدل الانخراط المباشر والمكلف.
من هذا المنظور، لا يُقرأ القرار الأميركي باعتباره دعمًا تقنيًا فقط، بل كترجمة عملية للثقة السياسية والمؤسساتية التي راكمها المغرب خلال السنوات الأخيرة، سواء من خلال تحديث عقيدته الدفاعية، أو عبر التزامه بقواعد التعاون الأمني متعدد الأطراف، خاصة في ملفات مكافحة التهديدات غير التقليدية.
ويُلاحظ أن هذا النوع من التسليح لا يُمنح عادة إلا لدول تُصنف ضمن خانة “الشركاء الموثوقين”، القادرين على استيعاب التكنولوجيا الحساسة دون مخاطر تسريب أو سوء استخدام، وهو ما يعكس تقييمًا أميركيًا إيجابيًا لمنظومة القيادة والتحكم داخل القوات المسلحة الملكية.
في البعد الإقليمي، تعزز هذه الخطوة موقع المغرب كفاعل مركزي في معادلات الأمن بشمال وغرب إفريقيا، دون الحاجة إلى خطاب استعراضي أو تصعيدي. فالتسلح الذكي، بطبيعته، يقوم على منطق الردع الهادئ: قوة دقيقة، محسوبة، وموجهة، لا على منطق الكثرة أو الاستنزاف.
أما سياسيًا، فإن تعميق الشراكة الدفاعية مع الولايات المتحدة يندرج ضمن مسار أوسع يربط بين الأمن والاستقرار والتنمية، ويؤكد أن الرباط نجحت في تقديم نفسها كدولة قادرة على الجمع بين الانضباط الاستراتيجي والاستقلالية في القرار، داخل نظام دولي سريع التحول.
في المحصلة، لا تحمل الصفقة رسائل صاخبة، لكنها تقول الكثير بلغة المصالح: المغرب شريك طويل الأمد، وواشنطن تراهن على الاستقرار بدل المغامرة، وعلى الدقة بدل الفوضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى